
كشفت تقارير اقتصادية حديثة عن تحولات مثيرة للجدل في السياسة المالية داخل ألمانيا، حيث لجأت الحكومة إلى إعادة توجيه جزء كبير من الأموال المخصصة للاستثمار في البنية التحتية، لاستخدامها في سد فجوات الميزانية العامة، ما أثار تساؤلات بشأن جدوى خطط التعافي الاقتصادي.

تحويل مسار أموال الاستثمار
أوضحت تقارير صادرة عن مؤسسات بحثية ألمانية أن نسبة كبيرة من الأموال التي تم جمعها عبر برنامج اقتراض ضخم لم تُستخدم في الأهداف المعلنة، وعلى رأسها تطوير البنية التحتية، بل تم توجيهها لتغطية نفقات حكومية جارية.
وبحسب تقديرات المعهد الاقتصادي الألماني في كولونيا، فقد تم تحويل نحو 86% من هذه الأموال إلى استخدامات أخرى، فيما أشار معهد إيفو للأبحاث الاقتصادية إلى أن النسبة قد تصل إلى 95%، وهو ما يعكس فجوة كبيرة بين الخطط المعلنة والتنفيذ الفعلي.
صندوق ضخم بلا أثر واضح
يأتي ذلك رغم موافقة البرلمان الألماني على إنشاء صندوق ضخم بقيمة تقارب 500 مليار يورو، مخصص لتمويل مشروعات البنية التحتية والتحول المناخي، في خطوة وُصفت حينها بأنها إصلاح مالي تاريخي.
لكن البيانات تشير إلى أن الحكومة لم تستخدم سوى نحو 42% فقط من الأموال المخصصة للاستثمارات الجديدة خلال العام الماضي، ما يثير شكوكًا حول كفاءة إدارة هذا الصندوق.
انتقادات حادة للسياسات المالية
في هذا السياق، انتقد كليمنس فوست السياسات المالية الحالية، مؤكدًا أن معظم الأموال المقترضة تم توجيهها لسد العجز في الميزانية بدلًا من تعزيز الاستثمار، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا أمام مستقبل الاقتصاد الألماني.
كما أشار خبراء إلى أن هذه السياسات قد تؤدي إلى إبطاء وتيرة النمو بدلًا من تسريعها، خاصة في ظل الحاجة الملحة لتحديث البنية التحتية وتعزيز القدرة التنافسية.
تباطؤ اقتصادي مستمر
انعكست هذه السياسات على أداء الاقتصاد، حيث شهدت ألمانيا عامين متتاليين من الركود، قبل أن تسجل نموًا محدودًا خلال عام 2025، وهو أقل من التوقعات التي كانت تشير إلى تعافٍ أقوى.
ويعزز هذا الأداء الضعيف المخاوف من استمرار التباطؤ الاقتصادي خلال السنوات المقبلة، إذا لم يتم إعادة توجيه السياسات نحو الاستثمار الفعلي.
ضغوط خارجية تزيد التحديات
تتفاقم هذه التحديات في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية، خاصة في الشرق الأوسط، والتي تؤثر على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، ما يزيد من الضغوط على الاقتصاد الألماني المعتمد بشكل كبير على الصناعة والتصدير.
فجوة بين الاقتراض والاستثمار
أظهرت بيانات معهد إيفو للأبحاث الاقتصادية أن الاقتراض من الصندوق الخاص ارتفع بنحو 24.3 مليار يورو خلال عام 2025، في حين لم ترتفع الاستثمارات الفعلية سوى بنحو 1.3 مليار يورو مقارنة بالعام السابق، وهو ما يكشف عن فجوة واضحة بين حجم التمويل والإنفاق الاستثماري الحقيقي.
إعادة توزيع الإنفاق الحكومي
من جانبها، أوضحت الباحثة إميلي هوسلينجر أن الحكومة قامت بنقل بعض بنود الإنفاق من الميزانية الأساسية إلى الصندوق الخاص، ما أتاح لها توسيع الإنفاق اليومي، لكنه في المقابل حدّ من الزيادة الحقيقية في الاستثمارات الجديدة.

دعوات لإصلاح المسار الاقتصادي
في ظل هذه التطورات، دعا البنك المركزي الألماني الحكومة إلى استخدام أدوات الاقتراض بشكل أكثر كفاءة، لضمان تحقيق نمو اقتصادي مستدام، بما يساعد على سداد الديون في المستقبل دون تحميل الاقتصاد أعباء إضافية.
تعكس هذه المؤشرات تحديات حقيقية تواجه الاقتصاد الألماني، بين الحاجة إلى دعم النمو عبر الاستثمار، وضغوط سد العجز المالي، وهو ما يضع صناع القرار أمام معادلة صعبة تتطلب توازنًا دقيقًا في المرحلة المقبلة.





