صحة

ألعاب الفيديو وتأثيرها على الانتباه: بين التسلية والتشتت الذهني

يقضي الأطفال والمراهقون، بل وحتى البالغون، ساعات طويلة أمام شاشات ألعاب الفيديو، في ظل تطور كبير تشهده هذه الألعاب جعلها أكثر جذبًا لمختلف الفئات العمرية والثقافية، وبينما تمثل هذه الألعاب للبعض وسيلة للترفيه والإثارة، فإن الباحثين يواصلون دراسة آثارها على الدماغ البشري، وخاصة فيما يتعلق بتركيز الانتباه.

ألعاب الفيديو وتأثيرها على الانتباه: بين التسلية والتشتت الذهني
ألعاب الفيديو وتأثيرها على الانتباه: بين التسلية والتشتت الذهني

ألعاب الفيديو تشد الانتباه.. وتضعف التركيز في مجالات أخرى

بحسب تقرير نشره موقع “سايكولوجي توداي” Psychology Today، فإن التعرض الطويل لألعاب الفيديو قد يكون سببًا في تراجع القدرة على التركيز في أنشطة أخرى، مثل القراءة أو تعلم آلة موسيقية، ويُرجع الباحثون ذلك إلى الطبيعة المثيرة والمكثفة لهذه الألعاب، والتي تجعل غيرها من الأنشطة أقل جذبًا.

كما يشير التقرير إلى أن الوقت المخصص للألعاب يسرق من الوقت الذي يمكن استثماره في تنمية مهارات الانتباه عبر أنشطة تتطلب تركيزًا متواصلاً.

من يلعب أكثر.. يعاني من فرط الحركة؟

أظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يعانون من اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD)، غالبًا ما يجدون في ألعاب الفيديو ملاذًا جذابًا، حيث يسهل عليهم التركيز فيها أكثر من الأنشطة التقليدية.
ويشير الباحثون إلى أن هذا قد يخلق حلقة مفرغة، إذ يجد الأشخاص الذين يعانون من ضعف التركيز في الألعاب وسيلة للهروب، بينما تُفاقم الألعاب من ضعف قدرتهم على التركيز في سياقات أخرى.

علاقة معقدة بين الجنس، الانتباه والألعاب

أحد العوامل التي تزيد من تعقيد العلاقة بين ألعاب الفيديو والانتباه هو التباين بين الذكور والإناث، فمثلًا، الأولاد يميلون أكثر إلى ممارسة الألعاب، كما أن معدلات الإصابة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه بين الذكور أعلى بثلاث مرات من الإناث، ما يجعل الربط بين الألعاب وضعف التركيز متأثرًا بعوامل متعددة.

ألعاب الفيديو تؤثر على النوم.. والنوم يؤثر على الانتباه

يشير التقرير إلى أن ألعاب الفيديو قد تؤثر سلبًا على جودة النوم، وهو عامل أساسي في قدرة الإنسان على التركيز والانتباه، فالسهر الطويل بسبب الألعاب يضعف الأداء الذهني خلال النهار، ما يزيد من معدلات التشتت وضعف الانتباه، خاصة بين المراهقين.

دراسات علمية.. نتائج متفاوتة

أجرت مجموعة من الباحثين دراسة على 3000 مراهق في سنغافورة، حيث تابعوا عاداتهم في اللعب، ومستوى اندفاعيتهم، وأعراض اضطراب فرط الحركة، وأظهرت النتائج وجود زيادة طفيفة جدًا في أعراض التشتت والانتباه لدى من يقضون وقتًا أطول في اللعب، مع الإشارة إلى أن الدراسة اعتمدت على تقارير ذاتية من المراهقين، ما قد يؤثر على دقة البيانات.

دراسة تجريبية على 85 لاعبًا

دراسة أخرى خضعت فيها مجموعة من 85 لاعبًا لاختبار “انطلق/امتنع”، وهو اختبار لقياس مدى الانتباه والاندفاعية، ووجد الباحثون أن اللاعبين المتفانين أظهروا أداءً أفضل في هذا الاختبار، ما قد يشير إلى تحسن في سرعة الاستجابة والتركيز.

لكن الباحثين حذروا من أن العلاقة قد لا تكون سببية، فقد يكون من أدوا الاختبار بشكل جيد هم أصلاً أكثر قدرة ذهنيًا، وبالتالي أكثر استمتاعًا واحترافًا في الألعاب.

اقرأ أيضًا:

هل تؤثر الشوكولاتة على النوم؟ خبراء يحذرون من تناولها ليلاً

دراسة أمريكية حول اللعب والضغوط الاجتماعية

في دراسة ثالثة شملت 600 طفل من أصول إسبانية في ولاية تكساس، بين عمر 10 و14 عامًا، تم جمع معلومات حول وقت اللعب، الضغوط الأسرية والاجتماعية، ومشكلات الانتباه، وأظهرت النتائج أن القلق والضغوط الاجتماعية كانت من أبرز العوامل المرتبطة بصعوبة الانتباه، وليس فقط ألعاب الفيديو.

لا أحكام قاطعة ولكن مؤشرات تستحق الانتباه

رغم تعدد الدراسات، فإن العلماء لم يتوصلوا بعد إلى رابط قاطع بين ألعاب الفيديو وضعف الانتباه، بل تظهر النتائج تفاوتًا واضحًا يعتمد على عوامل كثيرة، من بينها الجنس، نوع الألعاب، جودة النوم، والضغوط النفسية.

لكن المؤكد أن الإفراط في اللعب، على حساب الأنشطة الأخرى والنوم والراحة، قد يُفاقم من مشكلات الانتباه والتركيز، خاصة بين المراهقين، وهو ما يستدعي رقابة متوازنة من الأهل وتوجيهًا تربويًا نحو الاستخدام الصحي للتكنولوجيا.

لا داعي لمنع الأطفال من ألعاب الفيديو بشكل كامل، بل الأفضل هو تحديد أوقات معقولة للعب، وتوفير أنشطة موازية تُنمّي التركيز، مثل القراءة والرياضة والفنون، لتحقيق توازن صحي في النمو الذهني والسلوكي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى