عربية ودولية

أوروبا في مأزق غرينلاند| دفاع لفظي عن السيادة وسط صمت عن آليات الردع

تؤكد أوروبا تمسكها بالدفاع عن السيادة الوطنية لجزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك في مواجهة تصريحات وتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسيطرة على الجزيرة، إلا أن هذا الموقف لا يزال حتى الآن في إطار الخطاب السياسي، دون الكشف عن أي آليات عملية أو خطوات ردع واضحة.

ويأتي هذا الموقف الأوروبي المتحفظ في أعقاب العملية الأمريكية الأخيرة في فنزويلا، التي أثارت قلقًا واسعًا داخل الاتحاد الأوروبي، حيث بدا رد بروكسل فاتراً، ما يعكس الصعوبات العميقة التي تواجهها أوروبا في تبني موقف حازم تجاه واشنطن، خاصة عندما يتعلق الأمر بمصالح استراتيجية أمريكية مباشرة.

غرينلاند «ليست للبيع»… مخاوف دنماركية من تكرار سيناريو فنزويلا

وسعت المفوضية الأوروبية إلى التمييز بين اعتقال الولايات المتحدة لزعيم فنزويلا نيكولاس مادورو، وبين خطاب ترامب المتكرر بشأن غرينلاند، إلا أنها لم توضح كيف يمكن للاتحاد الأوروبي ردع أي تحرك أمريكي محتمل، وفقًا لما أوردته مجلة «بوليتيكو» الأمريكية.

وتخشى كوبنهاغن من أن تتحول تصريحات ترامب إلى سياسة أمر واقع، في ظل سوابق أمريكية بالتدخل المباشر في دول أخرى، ما دفع رئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدريكسن إلى التحذير من أن أي هجوم على غرينلاند سيؤدي إلى تقويض حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وإنهاء منظومة الأمن التي تشكلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

 

المفوضية الأوروبية: دعم كامل لغرينلاند دون خطة واضحة

من جانبها، قالت المتحدثة الرئيسية باسم المفوضية الأوروبية باولا بينهو إن غرينلاند حليف للولايات المتحدة وعضو في حلف الناتو، مؤكدة أن هذا الوضع «يختلف جذريًا» عن الحالة الفنزويلية.

رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو
رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو

وأضافت بينهو:  «نقف تمامًا إلى جانب غرينلاند، ولا نرى أي وجه للمقارنة مع ما حدث في فنزويلا».

ورغم تكرار الأسئلة من الصحفيين حول الخطوات المحددة التي يمكن أن يتخذها الاتحاد الأوروبي لردع واشنطن، امتنعت المتحدثة عن تقديم إجابات تفصيلية، مكتفية بالتأكيد على أن بروكسل «لن تتوقف عن الدفاع عن مبادئ السيادة الوطنية والسلامة الإقليمية».

 

غرينلاند… قلب الصراع الجيوسياسي في القطب الشمالي

خلال السنوات الأخيرة، أصبحت منطقة القطب الشمالي مسرحًا لتنافس دولي متصاعد، في ظل سعي القوى الكبرى إلى توسيع نفوذها العسكري والاقتصادي. وتُعد غرينلاند، الغنية بالمعادن النادرة، وذات الموقع الاستراتيجي، نقطة جذب رئيسية، خاصة أنها تستضيف قاعدة عسكرية أمريكية ذات أهمية بالغة للأمن القومي الأمريكي.

ورغم أن غرينلاند إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع مملكة الدنمارك، إلا أنها ليست جزءًا من الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك يُعد سكانها مواطنين أوروبيين بحكم عضوية الدنمارك في التكتل.

 

ترامب: غرينلاند ضرورة للأمن القومي الأمريكي

وفي تصريح جديد، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصحفيين على متن طائرة الرئاسة:

«نحن بحاجة إلى غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي… إنها ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتنتشر حاليًا سفن روسية وصينية في محيطها».

وتأتي هذه التصريحات في ظل تكثيف روسيا استثماراتها الدفاعية في القطب الشمالي، إلى جانب دوريات مشتركة مع الصين، رغم تأكيد خبراء أن النشاط العسكري بالقرب من غرينلاند نفسها لا يزال محدودًا.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

رفض قاطع من كوبنهاغن ونوك: «لا مزيد من أوهام الضم»

قوبلت تصريحات ترامب برفض حاسم من كل من الدنمارك وغرينلاند، حيث شدد الجانبان مرارًا على أن الجزيرة ليست للبيع، وأن مستقبلها يقرره سكانها فقط.

وقال رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن في تصريح حاد:

«كفى! لا مزيد من الضغوط، لا مزيد من التلميحات، ولا مزيد من أوهام الضم».

ورغم نفي المفوضية الأوروبية مزاعم ترامب بأن الاتحاد الأوروبي «بحاجة» إلى الولايات المتحدة «للحصول» على غرينلاند، فإن لهجة بروكسل المعتدلة تعكس مأزقًا سياسيًا حقيقيًا.

فالاتحاد الأوروبي يخشى ردود فعل انتقامية من ترامب، سواء على صعيد التجارة أو ملف أوكرانيا، إذا شعر بأن المصالح الأمريكية مهددة، وهو ما دفع بروكسل إلى تخفيف حدة خطابها رغم خطورة التصريحات.

اقرأ أيضًا:

الصين تراقب العملية الأميركية في فنزويلا وتأثيرها على تايوان| ومحللون: يصب في مصلحة بكين

الناتو على حافة اختبار غير مسبوق

في الوقت ذاته، يواجه حلف شمال الأطلسي تحديًا وُصف بـ«الوجودي»، إذ لم يسبق منذ تأسيسه عام 1949 أن هددت دولة عضو بالسيطرة على أراضٍ تابعة لدولة حليفة أخرى.

وقال دبلوماسي رفيع المستوى في الناتو:

«ندعم الدنمارك دعمًا كاملًا، بما في ذلك مستوى القلق الذي تشعر به».

ويرى بعض الدبلوماسيين أن تصريحات ترامب يجب أن تدفع الحلف إلى تعزيز وجوده العسكري في القطب الشمالي، عبر نشر معدات وقوات إضافية، على غرار ما حدث في بحر البلطيق والجناح الشرقي للناتو.

من جانبه، حذر الباحث البارز إد أرنولد من أن أي توغل عسكري أمريكي في غرينلاند قد يؤدي إلى انهيار الناتو بشكله الحالي، مشيرًا إلى أن واشنطن قادرة على تعطيل أي رد عسكري جماعي داخل الحلف.

وأوضح أن الدنمارك قد تلجأ في أسوأ السيناريوهات إلى دعوة الحلفاء لإجراء محادثات أمنية، لكن دون ضمان نتائج فعلية.

أوكرانيا والناتو يطلقان أول برنامج ابتكار دفاعي مشترك

دعوات أوروبية لتعزيز الوجود العسكري

في المقابل، دعا عضو البرلمان الأوروبي رافائيل غلوكسمان إلى إنشاء قاعدة عسكرية أوروبية دائمة في غرينلاند، معتبرًا أن هذه الخطوة سترسل «إشارة حزم» إلى واشنطن، وتفند الادعاءات الأمريكية بشأن عجز أوروبا عن حماية الجزيرة.

وتكشف أزمة غرينلاند عن اختلال دقيق في موازين التحالفات الغربية، حيث تجد أوروبا نفسها عالقة بين الدفاع عن سيادة إحدى دولها، والحفاظ على علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية في القطب الشمالي.

ومع استمرار التصعيد اللفظي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول أزمة جرينلاند من اختبار دبلوماسي إلى مواجهة تعيد رسم خريطة التحالفات الدولية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى