إعادة توظيف حاملات الطائرات النووية الأمريكية| مفاعلات «نيميتز» قد تتحول إلى مصدر طاقة لثورة الذكاء الاصطناعي

مع اقتراب موعد إخراج أولى حاملات الطائرات الأمريكية من فئة «نيميتز» من الخدمة عام 2026، يتزايد الجدل داخل الأوساط العسكرية والصناعية حول أفضل السبل للاستفادة من هذه المنصات العملاقة، التي شكلت لعقود أحد أعمدة القوة البحرية للولايات المتحدة.
وبينما اعتادت البحرية الأمريكية تفكيك هذه السفن النووية بتكاليف باهظة وإجراءات طويلة الأمد، طُرح مؤخرًا مقترح غير تقليدي قد يعيد رسم مستقبل الطاقة والذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة.

مقترح مبتكر: من البحر إلى مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي
اقترحت شركة «إنتيليجنت إنرجي» (Intelligent Energy)، ومقرها ولاية تكساس، إعادة توظيف المفاعلات النووية المتقاعدة المثبتة حاليًا على متن حاملة الطائرات العملاقة «يو إس إس نيميتز»، لاستخدامها كمصدر طاقة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا في مختبر أوك ريدج الوطني بولاية تينيسي.
ووفقًا للمقترح، يمكن نقل المفاعلات النووية البحرية بعد تفكيكها وتركيبها على اليابسة لتوفير إمدادات كهرباء مستقرة وعالية القدرة، تلبي الطلب المتزايد لمراكز الحوسبة الفائقة، التي باتت تمثل العمود الفقري لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
«نيميتز»… نصف قرن من الخدمة العسكرية
كانت «يو إس إس نيميتز»، أول حاملة طائرات عملاقة من هذه الفئة، قد دخلت الخدمة في مارس/آذار 1975، وبلغ عمرها التشغيلي 50 عامًا. ومن المقرر رسميًا إخراجها من الخدمة عام 2026، لتبدأ بعدها عملية تفكيك وإعادة تدوير معقدة.
وذكرت مجلة «ميليتاري ووتش» أن تفكيك حاملة الطائرات النووية يتم عبر خمس مراحل رئيسية، قد تستغرق كل منها ما يصل إلى عشر سنوات، بتكاليف إجمالية يُتوقع أن تتجاوز مليار دولار أمريكي.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، حصلت شركة «هنتنغتون إنغالز إندستريز» على تعديل لعقدها بقيمة 33.5 مليون دولار، لبدء الاستعدادات الفنية واللوجستية لعملية إخراج الحاملة من الخدمة.

20 مفاعلاً نوويًا… طاقة تكفي مدنًا كاملة
في حال نجاح خطة «إنتيليجنت إنرجي»، فإنها قد تشكل نموذجًا قابلًا للتطبيق على تسع حاملات طائرات أخرى من فئة نيميتز، ما يعني إعادة توظيف 20 مفاعلًا نوويًا من طراز A4W.
وتبلغ القدرة الإنتاجية لكل مفاعل نحو 550 ميغاواط، مع إنتاج سنوي يتراوح بين 4.3 و4.5 تيراواط ساعة، وهي كمية كافية لتزويد:
مدينة أمريكية كبيرة بالطاقة
منظومة صناعية ضخمة
ما بين 400 ألف و500 ألف منزل متوسط الاستهلاك بالكهرباء سنويًا
وقدّرت الشركة تكلفة إعادة توظيف المفاعلات وتركيبها على اليابسة بنحو ملياري دولار، وهو رقم يُعد منخفضًا نسبيًا مقارنة بتكاليف إنشاء محطات طاقة نووية مدنية جديدة من الصفر.
اقرأ أيضًا:
تصعيد روسي غير معلن ضد بريطانيا وسط تحذيرات من حرب هجينة متصاعدة رغم حديث السلام
الذكاء الاصطناعي والطاقة… معركة استراتيجية مع الصين
يأتي هذا المقترح في توقيت بالغ الحساسية، إذ تُعد القدرة على توفير طاقة كهربائية مستقرة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي مسألة أمن قومي بالنسبة للولايات المتحدة، في ظل السباق التكنولوجي المحتدم مع الصين.
ويُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية مزدوجة الاستخدام، تجمع بين التطبيقات المدنية والعسكرية، ومن المتوقع أن يكون له التأثير الأكبر على تحديث القوات المسلحة الأمريكية والصينية خلال العقدين المقبلين، سواء في مجالات القيادة والسيطرة، أو تحليل البيانات الاستخباراتية، أو تطوير أنظمة الأسلحة المتقدمة.

عقبات كبرى: الوقود النووي والمخاطر الأمنية
رغم الجاذبية الاقتصادية والاستراتيجية للفكرة، فإن إعادة استخدام المفاعلات النووية البحرية تواجه تحديات جسيمة. وتتمثل العقبة الأبرز في وقود اليورانيوم عالي التخصيب المستخدم في هذه المفاعلات.
ويُستخدم اليورانيوم-235 بنسبة تخصيب تصل إلى 93% في المفاعلات البحرية، وهي نسبة قريبة من تلك المستخدمة في الأسلحة النووية، ما يثير مخاوف أمنية وتنظيمية كبيرة. كما أن نقل هذه التقنية الحساسة إلى مشغلين مدنيين قد يواجه صعوبات قانونية وسياسية، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بالأمان النووي.
في المحصلة، يفتح مقترح إعادة توظيف مفاعلات حاملات الطائرات من فئة نيميتز بابًا واسعًا للنقاش حول مستقبل الطاقة النووية، ودورها في دعم ثورة الذكاء الاصطناعي. وبينما تمثل الفكرة فرصة غير مسبوقة لتقليل التكاليف وتسريع توفير الطاقة، فإن نجاحها سيظل مرهونًا بقدرة الولايات المتحدة على تجاوز التحديات التقنية والأمنية، وتحقيق توازن دقيق بين الابتكار والحذر الاستراتيجي.





