محادثات برلين تقرّب اتفاق وقف النار في أوكرانيا وسط ضمانات أوروبية وخلافات جوهرية حول الأراضي

تشهد الجهود الدولية لإنهاء الحرب في أوكرانيا تطورًا لافتًا، بعد أن سافر ممثلون أمريكيون هذا الأسبوع إلى ألمانيا لإجراء محادثات مكثفة تهدف إلى إقناع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بقبول اتفاق تسوية محتمل، في ظل مؤشرات على تقدم كبير نحو التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.
وأكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الاتفاق بات «أقرب من أي وقت مضى»، عقب الاجتماعات التي عُقدت في برلين بمشاركة المبعوث الخاص للبيت الأبيض ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، وفقًا لما نقلته صحيفة «التايمز» البريطانية.

تنازلات أوكرانية غير مسبوقة
وبحسب التقارير، أبدى الرئيس الأوكراني استعدادًا لتقديم تنازلات وُصفت بالكبيرة، من بينها:
إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية بعد فترة تتراوح بين 60 و90 يومًا من بدء سريان وقف إطلاق النار.
التخلي عن طموح أوكرانيا في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وهو مطلب طالما أصرت عليه موسكو.
وتُعد هذه الخطوات تحولًا استراتيجيًا كبيرًا في موقف كييف، في محاولة لفتح نافذة حقيقية أمام إنهاء الصراع المستمر منذ سنوات.
خطوط حمراء أوروبية لأي اتفاق سلام
عقب محادثات برلين، أعلنت مجموعة تضم 12 دولة أوروبية، من بينها المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا، عن مجموعة من الضمانات والخطوط الحمراء التي تمثل إطار التزامها تجاه أي اتفاق سلام محتمل مع روسيا.
أولًا: ضمانات عسكرية طويلة الأمد
أكدت الدول الأوروبية التزامها بتقديم دعم عسكري مستمر وكبير لأوكرانيا، يهدف إلى إعادة بناء قواتها المسلحة والحفاظ عليها عند مستوى يقارب 800 ألف جندي في أوقات السلم، لضمان قدرة الردع والدفاع عن الأراضي الأوكرانية.
ويمثل هذا الرقم زيادة واضحة عن المقترح الروسي السابق، الذي كان يسعى إلى تقليص حجم الجيش الأوكراني إلى 600 ألف جندي فقط، في حين بلغ عدد القوات الأوكرانية قرابة مليون جندي مطلع العام الجاري.

ثانيًا: قوة متعددة الجنسيات بقيادة أوروبية
تضمن الإطار الأوروبي إنشاء قوة متعددة الجنسيات بقيادة أوروبية ضمن ما يُعرف بـ«تحالف الإرادة»، وبدعم أمريكي، تتولى:
المساعدة في إعادة بناء القوات الأوكرانية.
تأمين المجال الجوي.
ضمان سلامة الملاحة البحرية، بما يشمل عمليات داخل الأراضي الأوكرانية.
غير أن فعالية هذه القوة تبقى مرهونة بمدى اعتمادها على القدرات الاستخباراتية الأمريكية، حيث يُنظر إلى غياب هذا الدعم على أنه عامل قد يحدّ بشكل كبير من قدرتها على الردع.
ثالثًا: آلية مراقبة والتحقق من وقف إطلاق النار
اتفقت الدول الأوروبية والولايات المتحدة على إنشاء آلية دولية لمراقبة وتنفيذ وقف إطلاق النار، تقودها واشنطن، وتهدف إلى:
توفير إنذارات مبكرة لأي هجوم محتمل.
تحديد المسؤولية عن أي انتهاكات.
إدارة إجراءات احتواء التصعيد.
ورغم امتلاك الولايات المتحدة أكبر شبكة أقمار صناعية عسكرية في العالم، تظل هناك تساؤلات حول كفاية هذه الآلية، خاصة في ضوء فشل التحذيرات الاستخباراتية السابقة في منع اندلاع الحرب في فبراير/شباط 2022.
رابعًا: التزام قانوني بالدفاع عن أوكرانيا
يشمل الاتفاق المقترح التزامًا قانونيًا ملزمًا باتخاذ إجراءات فورية لاستعادة السلام والأمن في حال تعرّض أوكرانيا لهجوم مسلح جديد، وقد تتنوع هذه الإجراءات بين:
استخدام القوة العسكرية.
تقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي.
فرض عقوبات اقتصادية وتحركات دبلوماسية.
ورغم ذلك، لا يزال زيلينسكي متحفظًا بشأن مدى جدية هذا الالتزام، خصوصًا بعد تخلي بلاده عن خيار الانضمام إلى حلف الناتو.
خامسًا: إعادة الإعمار والازدهار الاقتصادي
يتضمن الإطار الأوروبي تخصيص موارد ضخمة لإعادة إعمار أوكرانيا ودعم تعافيها الاقتصادي، إلى جانب:
إبرام اتفاقيات تجارية متبادلة.
مطالبة روسيا بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بأوكرانيا.
وتُعد الأصول الروسية المجمدة في البنوك الأوروبية، والتي تُقدّر بنحو 210 مليارات يورو، أداة ضغط رئيسية، رغم أن قرار كيفية استخدامها يبقى بيد الدول الأوروبية.

سادسًا: دعم انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي
أكدت الدول الأوروبية دعمها القوي لانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، مع تعهدات بإمكانية إتمام العملية بحلول يناير/كانون الثاني 2027.
إلا أن هذا المسار يثير مخاوف بشأن رد فعل موسكو، واحتمال سعيها لإفشال هذا التوجه باعتباره تحولًا استراتيجيًا يمس نفوذها الإقليمي.
اقرأ أيضًا:
أوروبا تدق طبول الحرب| القارة العجوز تستعد لسيناريو اشتباكات محتملة مع روسيا
ملف الأراضي العقدة الأكبر
تبقى مسألة الأراضي أكبر نقاط الخلاف في المفاوضات، حيث تصر روسيا على تنازل أوكرانيا عن كامل إقليم دونباس الشرقي الغني بالفحم، بما في ذلك مدن محصنة في دونيتسك لم تنجح القوات الروسية في السيطرة عليها بالكامل طوال سنوات الحرب.

ويخشى الرئيس الأوكراني أن يؤدي أي تنازل إقليمي إلى تشجيع موسكو على شن هجمات مستقبلية، وهو ما يرفضه بشكل قاطع. في المقابل، ترى الدول الأوروبية أن السماح بإعادة رسم الحدود بالقوة يشكل سابقة خطيرة تهدد الأمن الأوروبي.
أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيتخذ موقفًا أكثر براغماتية، معتبرًا أن التنازل عن دونباس هو «الثمن الضروري للسلام»، قائلًا: «لقد خسروا هذه الأراضي بالفعل، بصراحة».
تكشف هذه التطورات حجم التعقيدات المحيطة بأي اتفاق سلام محتمل، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية والسياسية والجيوستراتيجية، ويظل نجاح الاتفاق مرهونًا بتحقيق توازن دقيق بين التنازلات التي قد تقدمها كييف، والضمانات الأمنية والقانونية التي يطالب بها الأوروبيون لضمان سلام دائم.





