الحرب على إيران| تقارير غربية تكشف لماذا فشلت الضربات العسكرية في إسقاط النظام رغم الخسائر الكبيرة
ضربات عسكرية قاسية دون تحقيق الهدف السياسي

كشفت تقارير وتحليلات نشرتها صحف ومجلات غربية بارزة أن الحرب الدائرة ضد إيران، رغم قسوتها من الناحية العسكرية، لم تحقق حتى الآن الهدف الإستراتيجي الأبرز الذي رُوّج له في بداية الصراع، والمتمثل في إسقاط النظام الإيراني.
وبحسب تقارير نشرتها صحيفة واشنطن بوست الأمريكية ومجلة تايم، إلى جانب صحيفة تلغراف البريطانية، فإن الضربات العسكرية ألحقت أضراراً كبيرة بالبنية العسكرية الإيرانية، لكنها في الوقت ذاته ساهمت في تعزيز تماسك النظام وتقوية نفوذ الحرس الثوري داخل الدولة.
وأجمعت التحليلات الثلاثة على أن الحرب، بدلاً من إضعاف السلطة الحاكمة في طهران، قد تؤدي إلى مزيد من تشديد القبضة السياسية والأمنية، وتقليص فرص اندلاع انتفاضة شعبية يمكن أن تؤدي إلى تغيير النظام.

تحذيرات استخباراتية أمريكية سبقت الحرب
أفادت صحيفة واشنطن بوست أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية كانت قد حذرت الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب من أن شن هجوم واسع على إيران قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
ووفقاً لمصادر وصفتها الصحيفة بأنها مطلعة على الإحاطات الاستخباراتية، فقد أبلغ المسؤولون الرئيس الأمريكي بأن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في بقاء النظام، ولكن في شكل أكثر تشدداً، مع تزايد نفوذ الحرس الثوري الإيراني.
وأشارت التقديرات الاستخباراتية إلى احتمال ظهور ما وصفته بـ”نظام مصغر من بقايا الحرس الثوري”، يحتفظ بقدرات صاروخية ونووية أساسية وشبكات نفوذ إقليمية، مع إحكام سيطرة التيار المتشدد على مفاصل الحكم.
وترى الصحيفة أن هذه التقديرات بدأت بالفعل تتحقق على أرض الواقع.
انتقال السلطة بعد مقتل خامنئي
وفقاً للتقرير، فإن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول للحرب، في 28 فبراير، لم يؤدِ إلى انهيار مؤسسات الدولة كما كان متوقعاً.
بل جرى انتقال السلطة سريعاً إلى ابنه مجتبى خامنئي، في عملية وصفت بأنها تمت دون تفكك كامل في أجهزة الدولة، مع بقاء مؤسسات النظام الأساسية قادرة على إدارة البلاد.
وقال جوناثان بانيكوف، نائب مسؤول الاستخبارات الوطنية الأمريكية السابق لشؤون الشرق الأدنى، إن أفضل سيناريو محتمل قد يتمثل في أن تؤدي الحرب إلى هزة قوية داخل النظام تفتح الباب أمام صراع داخلي على السلطة بعد انتهاء القتال.
لكن بانيكوف، الذي يعمل حالياً في المجلس الأطلسي في واشنطن، أعرب عن شكوكه في تحقق هذا السيناريو، مشيراً إلى أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات قوية على حدوث انقسامات داخل النظام الإيراني.
وأضاف أن مجتبى خامنئي قد يحكم مستقبلاً كشريك أصغر للحرس الثوري، الذي توسع نفوذه بشكل ملحوظ خلال الحرب.

تحركات أمريكية لعزل الحرس الثوري
وفي سياق متصل، كشفت واشنطن بوست أن الإدارة الأمريكية بدأت حملة دبلوماسية واسعة لعزل الحرس الثوري الإيراني دولياً.
ووفقاً لبرقية أرسلتها وزارة الخارجية الأمريكية إلى جميع بعثاتها الدبلوماسية حول العالم، فقد طُلب من الدبلوماسيين الضغط على حكومات الدول المضيفة لتصنيف كل من الحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” كمنظمات إرهابية.
وأوضحت البرقية أن توسيع نطاق التصنيفات الدولية سيؤدي إلى فرض عقوبات إضافية وحظر تأشيرات، وهو ما قد يردع أي ردود انتقامية إيرانية محتملة.
كما أشارت إلى أن إيران تبدي حساسية أكبر تجاه الضغوط متعددة الأطراف مقارنة بالإجراءات الأحادية التي تتخذها دولة واحدة.
خسائر عسكرية كبيرة دون انهيار النظام
من جهتها، سلطت صحيفة تلغراف الضوء على التناقض الواضح في نتائج الحملة العسكرية.
ففي الوقت الذي أسفرت فيه الضربات عن مقتل عشرات القادة العسكريين الإيرانيين وتدمير أجزاء واسعة من القدرات الصاروخية والبحرية، لم تؤدِ إلى انهيار النظام السياسي.
وذكرت الصحيفة أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أعلنت مقتل 13 جندياً أمريكياً وإصابة نحو 200 آخرين منذ بدء الحرب قبل أكثر من أسبوعين، فيما تجاوزت تكلفتها المالية 12 مليار دولار.
وفي المقابل، لا يزال النظام الإيراني متماسكاً إلى حد كبير، بينما تواصل إسرائيل تنفيذ غاراتها الجوية، بالتزامن مع فتح جبهة برية جديدة ضد حزب الله في لبنان.
استراتيجية إيران في الحرب غير المتكافئة
تشير التقارير إلى أن إيران اعتمدت استراتيجية “الحرب غير المتكافئة” لمواجهة التفوق العسكري لخصومها.
وتشمل هذه الاستراتيجية استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ بعيدة المدى، إلى جانب توظيف شبكات الحلفاء والوكلاء في المنطقة.
وخلال الأيام الماضية، استهدفت إيران عدداً من دول الخليج بصواريخ وطائرات مسيرة، كما هاجمت منشآت طاقة وبنى تحتية حيوية.
كما تعرضت سفارة الولايات المتحدة في بغداد لهجوم صاروخي وصف بأنه الأعنف منذ بداية الصراع.

لماذا تبدو الانتفاضة الشعبية في إيران مستبعدة؟
في تحليل نشرته مجلة تايم، يرى المحرر العام للمجلة كارل فيك أن احتمالات اندلاع انتفاضة شعبية داخل إيران تبدو ضعيفة في الظروف الحالية.
وأوضح أن النظام الإيراني أمضى ما يقارب نصف قرن في بناء جهاز أمني قوي قادر على قمع أي حركات احتجاج واسعة.
من جانبها، قالت رويا بوروماند، المؤسسة المشاركة لمركز عبد الرحمن بروماند لحقوق الإنسان، إن السلطات الإيرانية عملت لسنوات على تصفية المعارضين في الخارج واعتقال النشطاء في الداخل.
وأدى ذلك إلى إضعاف المعارضة السياسية بشكل كبير، وغياب البدائل القادرة على تعبئة الشارع.
وتشير التقارير إلى أن المعارضة الإيرانية تعاني من تشتت شديد، فشخصيات مثل رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل، تحظى بحضور رمزي في الخارج لكنها تفتقر إلى شبكة تنظيمية داخل إيران.
أما جماعات مثل مجاهدي خلق، فلا تحظى بشعبية كبيرة داخل البلاد بسبب تاريخها السياسي.
كما أن الحركات القومية والإثنية، مثل بعض الجماعات الكردية، تثير مخاوف من احتمال تفكك الدولة بدلاً من توحيد المعارضة.
ورغم محاولات لتوحيد الصفوف، مثل مؤتمر “حرية إيران” المزمع عقده في لندن، فإن المحللين يشككون في قدرة هذه المبادرات على إحداث تأثير فعلي داخل إيران في ظل ظروف الحرب.
مضيق هرمز.. العامل الحاسم في الحرب
تؤكد التقارير أن أحد أهم العوامل التي قد تحسم مسار الصراع هو السيطرة على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ويمر عبر المضيق نحو 20% من صادرات النفط العالمية، ما يجعله شرياناً أساسياً للاقتصاد العالمي.
وبحسب واشنطن بوست، فإن قدرة إيران على تعطيل حركة الملاحة في المضيق أدت إلى أزمة اقتصادية عالمية متصاعدة.
فقد تراجعت حركة الشحن بشكل ملحوظ، بينما ارتفعت أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار للبرميل.

اضطراب النقل والطيران في المنطقة
وأشارت صحيفة تلغراف إلى أن التوترات في المنطقة أدت إلى سلسلة من الاضطرابات في قطاع النقل والطيران.
فقد تعرضت ناقلة نفط لهجوم قرب مضيق هرمز، كما أغلقت عدة دول خليجية مجالها الجوي مؤقتاً.
كما أعلنت شركات طيران دولية، بينها الخطوط الجوية البريطانية، تعليق رحلاتها إلى المنطقة لعدة أشهر.
انقسامات بين الحلفاء الغربيين
كشفت الأزمة أيضاً عن خلافات بين الحلفاء الغربيين بشأن كيفية التعامل مع الحرب.
فبينما ضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتشكيل تحالف بحري دولي لحماية الملاحة في الخليج، أبدت عدة دول أوروبية تحفظها على الانضمام إلى مثل هذا التحالف.
وتخشى هذه الدول من أن يؤدي الانخراط العسكري المباشر إلى توسيع نطاق الحرب في الشرق الأوسط.
تداعيات إقليمية متزايدة
كما ألقت الحرب بظلالها على استقرار دول الخليج، التي وجدت نفسها في مرمى الردود الإيرانية.
ووفقاً لتقارير واشنطن بوست، فإن بعض هذه الدول أبدت استياءً من اندلاع الحرب دون وجود استراتيجية طويلة الأمد لإدارتها.
وفي الوقت ذاته، تبقى هذه الدول حذرة من التصعيد المباشر ضد إيران، خوفاً من ردود أوسع قد تستهدف البنية التحتية المدنية والاقتصادية.
حرب تعيد تشكيل المنطقة دون حسم
في المحصلة، تكشف تقارير الصحف الغربية عن حرب تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط دون أن تحسمها بشكل نهائي.
فعلى الصعيد العسكري، تكبدت إيران خسائر كبيرة في قياداتها وقدراتها العسكرية، أما اقتصادياً، فتواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة العقوبات وتعطل التجارة والطاقة، لكن سياسياً، لا يزال النظام الإيراني قائماً، وربما أصبح أكثر مركزية وصلابة مع تصاعد نفوذ الحرس الثوري.
وفي الوقت ذاته، تهدد الحرب بتوسيع نطاق عدم الاستقرار في المنطقة، وتضع ضغوطاً كبيرة على التحالفات الدولية وأسواق الطاقة العالمية.
اقرأ أيضًا:





