السموم غير المرئية| فرنسا أمام تحدي أكبر تلوث كيميائي لمياه الشرب

في خطوة تعد الأولى من نوعها على نطاق واسع داخل فرنسا، كشفت السلطات الصحية عن نتائج مقلقة بشأن انتشار مركبات PFAS المعروفة بـ“المواد الأبدية” في مياه الشرب والمياه غير المعالجة، وهي مركبات يصعب تحللها وتتراكم في البيئة لسنوات طويلة، الأمر الذي أثار موجة واسعة من القلق لدى المواطنين والجهات الرقابية.
وأظهر التقرير الجديد وجود مادة TFA في نحو 92% من العينات التي شملتها الدراسة، ما اعتُبر مؤشرًا لافتًا على اتساع نطاق التلوث.
سموم غير مرئية في فرنسا
وتشير صحيفة الكومودرونسي الإسبانية إلى أن الوكالة الفرنسية للغذاء والبيئة والصحة المهنية ANSES أكدت أن معظم العينات لا تتجاوز الحدود القانونية عند تطبيق اللوائح الأوروبية، إلا أن المشكلة الرئيسية تكمن في بعض المواد التي لم تُحدد لها معايير تنظيمية بعد، وعلى رأسها TFA التي تُثار حولها شكوك كبيرة تتعلق بتأثيراتها المحتملة على الكبد والحمل. وتوضح الوكالة أنه رغم عدم تجاوز معظم العينات للحدود الحالية، إلا أن غياب قواعد واضحة لتنظيم بعض الأنواع وانتشارها الواسع يفرض تحديًا صحيًا متزايدًا يتطلب مراجعة علمية وتشريعية عاجلة.

وتم تنفيذ هذا المسح الوطني بين عامي 2023 و2025 وشمل تحليل نحو 600 عينة من مياه الصنبور والمياه الخام، بما يمثل قرابة 20% من المياه الموزعة في فرنسا.
وتركزت الدراسة على المناطق التي يُحتمل تعرضها للتلوث نتيجة الأنشطة الزراعية والصناعية أو قربها من منشآت يمكن أن تطلق مواد PFAS إلى البيئة، ليتم في النهاية رصد 35 نوعًا من هذه المركبات، وقد أظهر التحليل وجود 19 نوعًا منها في مياه الشرب، فيما كان من أبرز الأنواع التي ظهرت بانتظام PFHxS بنسبة 21.7%، وPFOS بنسبة 19.1%، وPFHxA بنسبة 16.1%.
فرنسا أمام تحدي أكبر تلوث كيميائي لـ مياه الشرب
ورغم تحديد التوجيهات الأوروبية حدًا قدره 100 نانوغرام/لتر لمجموع 20 نوعًا من PFAS، فإن نسبة صغيرة فقط من العينات تجاوزت هذا الحد، إلا أن التركيز الوسيط لمادة TFA بلغ 780 نانوغرام/لتر، وهو رقم مرتفع يعكس انتشارًا واسعًا لهذه المادة خصوصًا أنها ناتجة في الغالب عن تحلل المواد المستخدمة في أجهزة التكييف والمستحضرات الرغوية والرش الكيميائي. كما رصدت الدراسة وجود TFMSA في 13% من العينات للمرة الأولى داخل فرنسا، ما يشير إلى مصادر جديدة أو غير معروفة للتلوث تتطلب بحثًا معمقًا.

وتؤكد هذه النتائج صحة التحذيرات التي أطلقتها منظمات المجتمع المدني على مدى السنوات الماضية بشأن تراكم “المواد الأبدية” في البيئة ومياه الشرب، باعتبارها تحديًا طويل الأمد للصحة العامة نظرًا لقدرتها على التراكم الحيوي داخل جسم الإنسان واستمرارها لفترات طويلة دون تحلل. ويخلص التقرير إلى أن التعامل مع PFAS بات ضرورة ملحة تتطلب وضع معايير جديدة، وتطوير تقنيات تنقية أكثر فعالية، وتعزيز المراقبة الدورية لحماية مياه الشرب وضمان سلامتها للأجيال القادمة.





