القطب الشمالي في واجهة الصراع الدولي| لماذا أعاد ترامب إشعال التنافس العالمي حول غرينلاند؟

أعادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن رغبته في ضم غرينلاند تسليط الضوء على ملف استراتيجي ظل يتفاعل بصمت خلال السنوات الماضية، وهو الصراع الجيوسياسي المتصاعد في القطب الشمالي.
ووفقًا لتقرير تحليلي نشره الكاتب الإيطالي باولو ماوري على موقع إنسايد أوفر، فإن ما يجري اليوم يتجاوز فكرة جزيرة أو صفقة سياسية، ليعكس سباقًا دوليًا محمومًا على النفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وأهمية مستقبلية.

القطب الشمالي: ساحة تنافس بين القوى الكبرى
يوضح ماوري أن القطب الشمالي بات في صميم الحسابات الإستراتيجية لكل من:
الولايات المتحدة
روسيا
الدول الإسكندنافية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)
الصين
وأن هذه الأطراف تعمل، منذ ما لا يقل عن عقد من الزمن، على إعادة إحياء سياسات قديمة أو صياغة عقائد أمنية واقتصادية جديدة خاصة بهذه المنطقة الشاسعة، في ضوء التحولات المناخية والجيوسياسية المتسارعة.
ثلاثة محركات رئيسية للصراع
بحسب التقرير، تتباين دوافع اهتمام الدول بالقطب الشمالي، لكنها تلتقي عند ثلاثة محاور أساسية:
استغلال الموارد الطبيعية
إذ يُعتقد أن القطب الشمالي يختزن احتياطيات هائلة غير مستغلة من النفط والغاز والمعادن النادرة.
فتح طرق تجارية جديدة
مع ذوبان الجليد بفعل التغير المناخي، باتت الممرات البحرية القطبية أقصر وأكثر جدوى، ما قد يُحدث ثورة في حركة التجارة العالمية.
تعزيز الأمن الإستراتيجي والعسكري
السيطرة على هذه المنطقة تمنح الدول قدرة أكبر على الردع العسكري، والمراقبة، والتحكم في خطوط الإمداد.

روسيا: اللاعب الأكثر نشاطًا
يرى باولو ماوري أن روسيا تُعد الدولة الأكثر تقدمًا في سباق القطب الشمالي، حيث تسعى لاستعادة نفوذ إستراتيجي فقدته بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.
ويشير إلى أن العقيدة البحرية الروسية الجديدة، الصادرة عام 2010 والمحدّثة في 2015، نصّت صراحة على:
إنشاء قيادة عسكرية مشتركة متعددة الفروع في القطب الشمالي
تعزيز البنية التحتية العسكرية
توسيع الوجود البحري والجوي في المنطقة
وهو ما يعكس، بحسب الكاتب، إدراك موسكو لأهمية القطب الشمالي كمسرح صراع مستقبلي لا يقل خطورة عن أوروبا الشرقية.
واشنطن والقطب الشمالي: غرينلاند في قلب الحسابات
أما الولايات المتحدة، فقد أكدت في إستراتيجيتها الجديدة للقطب الشمالي الصادرة عام 2024 أن المنطقة القطبية تمثل عنصرًا حيويًا لأمنها القومي وأمن حلف الناتو.
ويرى ماوري أن هذا التعريف يمثل مفتاحًا لفهم السلوك الأمريكي المتشدد تجاه غرينلاند، التي تُعد موقعًا جغرافيًا بالغ الأهمية، وحلقة وصل بين أمريكا الشمالية وأوروبا، كما أنها أنها أمنصة محتملة للرقابة العسكرية والإنذار المبكر، ومن هذا المنظور، لا تبدو تصريحات ترامب حول ضم غرينلاند مجرد نزوة سياسية، بل جزءًا من رؤية إستراتيجية أوسع.
ويشدد التقرير على أن التغير المناخي لعب دورًا حاسمًا في إعادة رسم أهمية القطب الشمالي، إذ أدى ذوبان الجليد إلى فتح ممرات بحرية جديدة، وتقليص زمن الشحن بين آسيا وأوروبا، وكذلك رفع القيمة الإستراتيجية للملاحة القطبية، وهذه التطورات جعلت المنطقة محورًا لتنافس متصاعد بين القوى الكبرى، خاصة في ظل غياب أطر قانونية صارمة تنظم استغلال هذه الممرات.

الصين: لاعب غير قطبي بطموحات قطبية
من وجهة النظر الأمريكية، تمثل الصين أحد أكبر مصادر التهديد للاستقرار في القطب الشمالي، رغم أنها ليست دولة مطلة على المنطقة.
ويوضح ماوري أن بكين:
تُدرج القطب الشمالي ضمن استراتيجياتها طويلة الأمد
تسعى لتعزيز نفوذها الاقتصادي والعلمي
تعمل على تطوير كاسحات جليد متقدمة
ترسل بعثات بحثية لتعزيز وجودها الميداني
وتستند الصين في تحركاتها إلى إستراتيجيتها للقطب الشمالي لعام 2018، التي تؤكد أن الدول غير القطبية لها دور مشروع في المنطقة، انطلاقًا من مفهوم “المصير المشترك للبشرية”.
أوروبا… حضور متواضع وقدرة ردع محدودة
رغم أن أوروبا تسعى بدورها إلى استعادة موطئ قدم في القطب الشمالي، فإن الكاتب يرى أن جهودها لا تزال محدودة مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا والصين.
فعلى مستوى الناتو، استعادت آيسلندا بعض حضورها العسكري، خاصة في المراقبة الجوية والبحرية، ورفعت دول مثل النرويج وفنلندا والسويد وتيرة المناورات العسكرية القطبية، لكن، وفق التقرير، لا يزال هذا الحضور غير كافٍ لإرساء قدرة ردع أوروبية حقيقية.
مناطق حساسة بلا وجود عسكري دائم
يحذر ماوري من أن مناطق إستراتيجية بالغة الأهمية، مثل غرينلاند وآيسلندا وجزر سفالبارد، لا تزال شبه خالية من وجود عسكري دائم وفعّال، وهو ما يخلق فراغًا أمنيًا قد تستغله قوى أخرى في حال تصاعد التوترات.
ويخلص التقرير إلى أن القطب الشمالي لم يعد هامشًا جغرافيًا، بل أصبح ساحة صراع دولي مفتوحة، تتقاطع فيها الطموحات الاقتصادية والعسكرية والمناخية.
وفي هذا السياق، تبدو غرينلاند أكثر من مجرد جزيرة نائية، بل نقطة ارتكاز في معركة النفوذ العالمي القادمة، حيث يتداخل إرث الحرب الباردة مع تحديات القرن الحادي والعشرين.





