المطر والضباب حلفاء روسيا الجدد| كيف تستخدم موسكو “سلاح الطقس” في حرب أوكرانيا؟

في حربٍ تتطور يومًا بعد يوم على نحوٍ غير متوقع، يبدو أن روسيا استعادت واحدة من أقدم حيل التاريخ العسكري: توظيف الطقس كسلاحٍ في ساحة المعركة، فبين المطر والضباب، وجدت القوات الروسية وسيلة جديدة لمواجهة الطائرات المسيّرة الأوكرانية التي غيّرت موازين القوة في الحرب الدائرة منذ أكثر من عامين، بحسب تقرير لمجلة ذا ناشيونال إنترست الأميركية.
كيف تستخدم روسيا الطقس كسلاح
أشار معهد دراسات الحرب الأميركي (ISW) في تقرير حديث إلى أن الجيش الروسي بدأ يعتمد في الأسابيع الأخيرة على تنفيذ عملياته الميدانية الكبرى في ظروف جوية سيئة، خصوصًا خلال الأمطار الغزيرة والضباب الكثيف، ما يحدّ من فعالية الطائرات المسيّرة الأوكرانية في الاستطلاع والاستهداف.

وذكر التقرير أن قوات روسيا باتت “تُنفذ هجمات ميكانيكية واسعة النطاق في أجواء ممطرة وضبابية”، في محاولة لتقليل قدرة العدو على استخدام التكنولوجيا المتقدمة في المراقبة.
وتشير المجلة إلى أن هذا الأسلوب ليس جديدًا على موسكو، بل يندرج ضمن ما يُعرف في العقيدة الروسية بمفهوم “ماسكيروفكا” (Maskirovka)، أي “فن الخداع العسكري وإخفاء النوايا لتحويل الانتباه عن التحركات الحقيقية”.
الطائرات المسيّرة تغيّر قواعد الحرب بين روسيا وأوكرانيا
خلال الأشهر الماضية، أثبتت المسيّرات الأوكرانية فعاليتها الكبيرة في رصد التحركات الروسية واستهداف الدبابات والمركبات بدقة متناهية، حتى أصبحت جزءًا رئيسيًا من الدفاعات الأوكرانية، فمع كل طنين خافت في السماء، يدرك الجنود أن هناك “عينًا إلكترونية” تترصدهم من الأعلى، مما جعل من الصعب إخفاء أي تحركات على الأرض.
وتشير التقارير إلى أن الطرفين يستخدمان مئات الطائرات المسيّرة يوميًا، سواء في مهام الاستطلاع أو توجيه المدفعية أو تنفيذ ضربات دقيقة، لكن الطقس السيئ — وفق مراقبين — بات الملجأ الأخير لموسكو لتقليص تفوق كييف التكنولوجي في هذا المجال.

هجمات تحت المطر.. تكتيك قديم بثوب جديد
يرى الخبراء أن موسكو تدمج بين الخداع العسكري والظروف الجوية لتمنح قواتها المهاجمة “عنصر المفاجأة”.
ففي الأسابيع الأخيرة، تزامنت عدة هجمات روسية واسعة مع موجات من الضباب الكثيف والأمطار الغزيرة، ما جعل من الصعب على الدفاعات الأوكرانية رصدها مسبقًا.
ويقول تقرير ISW إن روسيا “تحشد قواتها الميكانيكية — من دبابات وناقلات جند ومدافع ميدانية وشاحنات تكتيكية — تحت غطاء الطقس الرديء”، لتقليل احتمالية اكتشافها بواسطة الأقمار الصناعية والمسيّرات.
اقرأ أيضًا:
الأسطول الشبح الروسي| كيف تتحدى موسكو العقوبات الغربية عبر “سفن الأشباح”؟
عودة إلى عقيدة “الأسلحة المشتركة”
إلى جانب استخدام الطقس كسلاح، تحاول روسيا إحياء عقيدة الأسلحة المشتركة، وهي مبدأ عسكري روسي قديم يهدف إلى دمج المشاة، والمدفعية، وسلاح المدرعات، وسلاح الجو، والطائرات المسيّرة في هجوم منسّق ومتكامل.
ويشير معهد دراسات الحرب إلى أن هذه الاستراتيجية تُطبّق حاليًا في جبهات دونباس وخصوصًا قرب بلدة شاخوفه، حيث تسعى القوات الروسية إلى تحقيق اختراق ميداني محدود بعد استنزاف الدفاعات الأوكرانية المستمرة منذ أسابيع.

ويرى محللون عسكريون أن هذه التحركات “تعبّر عن محاولة روسية لاستعادة زمام المبادرة في الحرب، رغم الخسائر الثقيلة وبطء التقدّم”.
التكنولوجيا في مواجهة الصبر
رغم الاعتماد الروسي المتزايد على “سلاح الطقس” والخداع الميداني، إلا أن التقدم على الأرض لا يزال محدودًا، في حربٍ أصبحت — كما يصفها التقرير — صراعًا بين التكنولوجيا والصبر، فبينما تراهن أوكرانيا على عيونها الإلكترونية في السماء، تراهن موسكو على الغيوم التي تحجبها.
ويختم التقرير بالقول إن الطقس قد لا يغيّر مسار الحرب بالكامل، لكنه يمنح روسيا مؤقتًا “نافذة تكتيكية” لتقليل الخسائر وتضليل العدو، في صراعٍ لم يعد يقتصر على النار والحديد، بل يمتد إلى المطر والضباب أيضًا.





