عربية ودوليةعاجل

انقسام داخل الناتو والاتحاد الأوروبي بشأن الحرب على إيران| دعم ألماني وتحفظ إسباني وفرنسي

تشهد الساحة الأوروبية حالة من الانقسام السياسي المتزايد بشأن الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران، في وقت أبدى فيه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته موقفاً متفائلاً حيال التحركات الأميركية. غير أن هذه النظرة لا تبدو محل إجماع داخل بروكسل، حيث تتباين مواقف دول الاتحاد الأوروبي بين داعمة لواشنطن ومعارضة للضربات العسكرية، وأخرى تفضّل التزام الحذر والصمت.

وبحسب ما أوردته صحيفة “تليغراف” البريطانية، يرى روته أن الولايات المتحدة تدرك جيداً ما تقوم به في الحرب ضد إيران، مؤكداً وجود دعم واسع داخل دول الحلف لسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب. إلا أن هذا التقييم، وفق الصحيفة، لا يعكس حقيقة المواقف داخل العواصم الأوروبية التي تشهد خلافات واضحة حول طبيعة التعاطي مع الأزمة.

تصاعد الخلافات الأوروبية

أدى التصعيد العسكري في الشرق الأوسط إلى كشف انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، حيث تحولت الخلافات السياسية إلى سجالات علنية بين بعض القادة الأوروبيين والرئيس الأميركي.

ومن أبرز مظاهر هذا التوتر الخلاف الذي ظهر بين ترامب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إلى جانب التباين في مواقف ألمانيا وإسبانيا، فضلاً عن الرسائل المتباينة الصادرة من فرنسا.

وترى الصحيفة أن التكتل الأوروبي، بدلاً من أن يظهر كجبهة موحدة في مواجهة الأزمة، بات منقسماً إلى عدة معسكرات تختلف في تقييمها للحرب وتداعياتها.

 

إسبانيا تقود معسكر المعارضين

برز رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز كأحد أبرز المعارضين الأوروبيين للضربات الأميركية على إيران. واتهم سانشيز الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه “يلعب بمصير الملايين”، منتقداً الحرب ومعتبراً أنها تشكل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي.

كما رفضت مدريد طلبات أميركية باستخدام قواعدها العسكرية في العمليات الجوية ضد إيران، في خطوة أثارت توتراً دبلوماسياً بين البلدين.

وفي السياق ذاته، أكدت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبلز أن بلادها لا تشارك الأمين العام للناتو رأيه بشأن وجود دعم أوروبي واسع للعمل العسكري، مشددة على أن مدريد لا تؤيد هذه العمليات.

وأدى هذا الموقف إلى تصاعد التوتر مع واشنطن، حيث هدد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بقطع العلاقات مع إسبانيا، في حال استمرار رفضها التعاون العسكري.

فرنسا وإيطاليا تميلان إلى التحفظ

انضم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المعسكر المعارض للضربات الأميركية، واصفاً الحرب بأنها “غير شرعية”، ومعتبراً أن الهجمات تمثل انتهاكاً للقانون الدولي.

ورغم ذلك، أشاد ترامب بما وصفه بالدعم الفرنسي “الرائع” لسياساته، في تصريح أثار تساؤلات حول طبيعة الموقف الفرنسي الحقيقي من الأزمة.

أما إيطاليا، فقد تبنت موقفاً أكثر حذراً، حيث أكدت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أن بلادها “ليست في حالة حرب”، ولا ترغب في الانخراط في صراع عسكري جديد.

 

ألمانيا أبرز الداعمين لترامب

في المقابل، ظهر المستشار الألماني فريدريش ميرتس كأبرز داعم أوروبي للسياسات الأميركية تجاه إيران.

وذهب ميرتس إلى حد التشكيك في حق إيران في الحماية بموجب القانون الدولي، واصفاً إياها بـ”الدولة المارقة”.

وقال المستشار الألماني إن الجهود الأوروبية السابقة، بما في ذلك العقوبات والضغوط الدبلوماسية، لم تنجح في تغيير سلوك إيران، مضيفاً أن الوقت ليس مناسباً لتوجيه اللوم إلى الحلفاء.

وخلال لقاء جمعه بالرئيس الأميركي، التزم ميرتس الصمت بينما كان ترامب يوجه انتقادات حادة لكل من إسبانيا وبريطانيا بسبب رفضهما السماح باستخدام قواعدهما العسكرية في الحرب.

الكرملين يرفض تصريحات ميرتس: "مواقف عدائية لا تستحق الرد"
الكرملين يرفض تصريحات ميرتس: “مواقف عدائية لا تستحق الرد”

حسابات ألمانية معقدة

ويرى مراقبون أن موقف ألمانيا يعود جزئياً إلى اعتبارات تاريخية وسياسية، إذ تعتبر برلين أن دعم إسرائيل يمثل التزاماً أساسياً للدولة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية.

كما يعتقد بعض المسؤولين في بروكسل أن ميرتس يسعى إلى تجنب توتر العلاقات مع واشنطن، خاصة في ظل أهمية الدعم الأميركي لأوكرانيا في مواجهة روسيا.

إضافة إلى ذلك، تواجه ألمانيا تحديات اقتصادية مرتبطة بعلاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة، حيث تراجعت صادرات السيارات الألمانية إلى السوق الأميركية بنسبة 15% خلال عام 2025 بسبب الرسوم الجمركية والمنافسة الصينية المتزايدة.

ورغم تفهم بعض الدبلوماسيين لمنطق برلين، فإن مصادر أوروبية أعربت عن دهشتها من موقف ميرتس، معتبرة أنه لم يدافع عن إسبانيا عندما تعرضت لانتقادات من ترامب.

وقال دبلوماسي أوروبي إن المستشار الألماني “أخطأ قليلاً” في موقفه، داعياً إياه إلى مراجعة تصريحاته.

 

دور محدود للاتحاد الأوروبي في الأزمة

يعتقد العديد من الدبلوماسيين الأوروبيين أن الاتحاد الأوروبي لا يمتلك أدوات قوية للتأثير في مجريات الصراع في الشرق الأوسط.

وقال أحد الدبلوماسيين لصحيفة “تليغراف” إن هناك إجماعاً واسعاً، حتى في الشرق الأوسط، على أن أوروبا “لا تستطيع فعل الكثير” في هذه الأزمة.

كما لم يُظهر حلف الناتو اهتماماً كبيراً بالصراع خارج نطاق حدوده الجغرافية، حتى بعد اعتراض صاروخ باليستي إيراني كان متجهاً نحو تركيا.

وأكد الأمين العام للحلف مارك روته أنه لا توجد حاجة حالياً لتفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو، والتي تنص على أن أي هجوم على دولة عضو يُعد هجوماً على جميع الدول الأعضاء.

أوكرانيا والناتو يطلقان أول برنامج ابتكار دفاعي مشترك

تحركات أوروبية منفردة لحماية المصالح

في الوقت نفسه، بدأت الدول الأوروبية اتخاذ إجراءات منفردة لحماية مصالحها ومواطنيها في الشرق الأوسط.

فقد نظمت عدة دول أوروبية عمليات إجلاء لمواطنيها العالقين في المنطقة، كما أرسلت الدول التي تمتلك قواعد عسكرية هناك تعزيزات دفاعية، بما في ذلك سفن حربية وطائرات مقاتلة وأنظمة دفاع جوي.

وأعلنت إسبانيا وفرنسا وهولندا وإيطاليا إرسال قطع بحرية وحاملة طائرات للمساعدة في حماية قبرص، العضو في الاتحاد الأوروبي والتي تتولى الرئاسة الدورية للتكتل.

وذكرت الصحيفة أن قبرص طلبت من الاتحاد الأوروبي عدم الترويج الإعلامي لنشر هذه القوات، خشية التأثير على قطاع السياحة، خصوصاً مع اقتراب موسم العطلات الصيفية.

 

مخاوف من شرخ عبر الأطلسي

خلال الاجتماعات التي عقدت في بروكسل، حذر دبلوماسيون أوروبيون من أن الخطر الأكبر قد لا يكون في الشرق الأوسط بقدر ما يكمن في احتمال حدوث شرخ في العلاقات عبر الأطلسي مع إدارة ترامب.

ويسعى الاتحاد الأوروبي إلى إدارة علاقاته بحذر مع واشنطن، خاصة للحفاظ على الدعم الأميركي لأوكرانيا، إضافة إلى تخفيف التوترات التجارية الناتجة عن الرسوم الجمركية.

وقال أحد الدبلوماسيين إن الموقف الإسباني قد يزيد تعقيد الوضع، متسائلاً عن الخطوة التالية التي قد يقدم عليها رئيس الوزراء بيدرو سانشيز.

European Union
European Union

دول شرق أوروبا تركز على روسيا

في المقابل، تركز دول شرق أوروبا، وخاصة بولندا ودول البلطيق، على تهديدات روسيا أكثر من اهتمامها بالأزمة في الشرق الأوسط.

وتخشى هذه الدول أن يؤدي التركيز الدولي على إيران إلى صرف الانتباه عن التهديد الروسي المتصاعد على حدودها.

ورغم التزام ممثلي هذه الدول الصمت في اجتماعات بروكسل، فإنهم يحرصون على تذكير شركائهم الأوروبيين بأن أمن أوروبا الشرقي يبقى أولوية قصوى.

تكشف الأزمة الحالية عن تحديات كبيرة تواجه الاتحاد الأوروبي في صياغة موقف موحد تجاه القضايا الدولية الكبرى.

فبينما تتباين حسابات الدول الأوروبية بين المصالح الاقتصادية والتحالفات السياسية والاعتبارات الأمنية، يبقى السؤال المطروح: هل يستطيع الاتحاد الأوروبي تجاوز انقساماته الداخلية وتبني استراتيجية موحدة في مواجهة الأزمات العالمية؟

اقرأ أيضًا:

الهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران يعيد خلط أوراق الانتخابات في إسرائيل| هل يستعيد نتنياهو موقعه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى