تحرك حكومي ودبلوماسي لإخماد فتنة “المستطيل الأخضر” بين مصر والمغرب
استنفار دبلوماسي رياضي لاحتواء تداعيات البطولة الأفريقية

في خطوة استباقية تهدف إلى حماية الروابط القومية من الانزلاق نحو صراعات جانبية، شهدت الساحة الدبلوماسية الرياضية تحركا رفيع المستوى لتهدئة الأجواء المشحونة التي خلفها العرس الأفريقي الأخير.
فقد أجرى الدكتور أشرف صبحي، وزير الشباب والرياضة المصري، اتصالا هاتفيا هاما مع نظيره المغربي السيد محمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة.
وجاء هذا التواصل في وقت حساس للغاية، حيث ركز الوزيران على التأكيد بأن العلاقات التاريخية والأخوية بين القاهرة والرباط، والتي تمتد لعقود من التكامل والتعاون، تظل أكبر من أي منافسة رياضية عابرة، مشددين على ضرورة بقاء التنافس في إطاره الحضاري الذي يقوم على مبادئ الاحترام المتبادل والروح الرياضية السامية.
كواليس الأزمة.. تراكمات انفعالية ومناوشات خارج الخطوط
تعود جذور التوتر إلى سلسلة من الأحداث المتلاحقة التي شهدتها الملاعب والمنصات الرقمية، حيث بدأت الأزمة بتصرفات وصفت بـ “المناوشات” خلال المباريات، من بينها التفاعل الغاضب للمدير الفني لمنتخب مصر، حسام حسن، تجاه المدرجات عقب تسجيل هدف في مرمى بنين، وهو ما فسرته جماهير المغرب على أنه رسالة موجهة إليها.
وزاد من حدة الاحتقان الانتقادات المصرية لتشجيع الجمهور المغربي لمنتخب السنغال في نصف النهائي، وتبع ذلك صدامات لفظية في المؤتمرات الصحفية، كان أبرزها مشادة حسام حسن مع صحفي مغربي، وتصريحات شقيقه إبراهيم حسن المثيرة للجدل حول تاريخ البطولات المغربية، وصولا إلى انسحاب الصحفيين المصريين من مؤتمر صحفي اعتراضا على سوء الإدارة وتهميش أسئلتهم.

ضجيج المدرجات ومخاطر الفضاء الرقمي المزيف
لم تقتصر الأزمة على التصريحات الرسمية، بل انتقلت لغة “صافرات الاستهجان” إلى أرض الملعب، حيث اشتكت جماهير مصرية من ممارسات جماهيرية ضد النشيد الوطني المصري ولاعبي “الفراعنة” في لقاء نيجيريا.
وفي المقابل، اندلعت موجة غضب مغربية نتيجة تداول مقاطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي زُعم أنها لمصريين يحتفلون بخسارة المغرب في النهائي أمام السنغال، وهي المقاطع التي ثبت لاحقا عدم صحتها وزيف ادعاءاتها.
هذه الحالة من “التسمم المعلوماتي” الإلكتروني دفعت بالقيادات في كلا البلدين إلى التأكيد على أن الرياضة يجب أن تظل قوة ناعمة توحد الشعوب ولا تفرقها، وأن مثل هذه التصرفات الفردية لا تعبر عن الهوية الجمعية للشعبين.
رموز الإعلام والدين في مواجهة التعصب
في مواجهة هذا التصعيد، انطلقت دعوات عاقلة من كبار الإعلاميين في مصر والمغرب، حيث قاد كل من عمرو أديب وأحمد شوبير وخالد الغندور، ومن الجانب المغربي رشيد العلالي، حملة للتهدئة وفصل السلوكيات الفردية عن العلاقات الاستراتيجية المتينة.
ولم يغب الخطاب الديني عن المشهد، إذ أكد وزير الأوقاف المصري، أسامة الأزهري، على تجذر العلاقة بين البلدين خلال ترحيبه بإمام جامع الحسن الثاني، الشيخ عمر القزابري.
كما عززت الأصوات البرلمانية هذا التوجه بوصف ما حدث بأنه “انفعال رياضي عابر”، مشددين على أن صورة الإنسان العربي في الملاعب الدولية يجب أن تظل ناصعة وبعيدة عن مظاهر الإساءة أو التعصب التي تشوه المكتسبات الحضارية.

تفادي “سيناريو 2009” واستشراف المستقبل
يرى الخبراء والنقاد الرياضيون، ومنهم أيمن هريدي ومحمد البرمي، أن تحرك الوزيرين جاء في توقيت استراتيجي لقطع الطريق أمام أي محاولات لإشعال فتنة قد تعكر صفو العلاقات السياسية والاجتماعية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في الرغبة الأكيدة لتفادي تكرار الأزمات التاريخية المريرة، مثل أزمة عام 2009 بين مصر والجزائر.
ويؤكد المحللون أن الاتصال الحكومي يضع الكرة في ملعب الإعلام والمؤثرين للقيام بدورهم في نشر القيم الإيجابية بين الشباب، مع ضرورة وضع ضوابط تنظيمية تضمن عدم تكرار مثل هذه الاحتكاكات في البطولات المقبلة، لتبقى الرياضة جسرا للتقارب الإنساني قبل أن تكون منصة للتتويج.
تجديد الالتزام بالأخوة العربية ودعم النجاحات المغربية
ختم وزير الشباب والرياضة المصري تواصله بالإشادة بالنجاح التنظيمي الباهر للمملكة المغربية في استضافة هذا العرس القاري، مؤكدا أن مصر ترفض تماما أي نبرة تهدف لتشويه صورة الجماهير العربية.

ومن جانبه، ثمن الوزير المغربي محمد سعد برادة هذه المبادرة، معتبرا إياها دليلا على عمق الروابط الاستراتيجية وحرص بلاده على دعم المبادرات التي تنشر القيم المثالية بين جيل الشباب.
إن هذا التوافق الرسمي يعكس إدراكا عميقا بأن صياغة الوعي الرياضي هي جزء لا يتجزأ من صيانة الأمن القومي والروابط القومية بين الأشقاء، مهما كانت نتيجة المباراة فوق المستطيل الأخضر.
اقرأ ايضًا…إنسحاب البعثة المصرية.. مؤتمر حسام حسن يثير الجدل قبل مواجهة نيجيريا





