حزب الله يغير تكتيكاته القتالية في جنوب لبنان مع استمرار المواجهات مع إسرائيل

دخلت المواجهات العسكرية بين حزب الله والجيش الإسرائيلي منعطف خطير، في ظل تصاعد العمليات العسكرية في جنوب لبنان، وظهور مؤشرات على تغييرات في التكتيكات القتالية والهيكلية التنظيمية للحزب.
وتشير معطيات ميدانية إلى أن الحزب بدأ في اعتماد نظام قيادي بديل وإجراءات أمنية أكثر تشدداً، في محاولة لتفادي تكرار الخروقات التقنية التي تعرض لها خلال عام 2024.
ووفقاً لتقرير نشرته وكالة رويترز نقلاً عن مصادر لبنانية مطلعة، فإن الحزب اتخذ سلسلة من الخطوات التنظيمية والعسكرية بهدف ضمان استمرارية عملياته في حال تصاعد القتال أو وقوع اجتياح إسرائيلي واسع للبنان.

نظام قيادي بديل لضمان استمرار العمليات
أفادت المصادر بأن حزب الله عيّن أربعة نواب لكل قائد ميداني داخل هيكله العسكري، في خطوة تهدف إلى ضمان استمرار العمليات العسكرية حتى في حال استهداف القيادات الرئيسية.
كما يسعى الحزب، بحسب المصادر، إلى تقليل الاعتماد على الأجهزة التقنية التي قد تكون عرضة للاختراق أو التنصت، في ضوء التجارب الأمنية السابقة التي كشفت عن اختراقات إسرائيلية لشبكات الاتصال التابعة له.
وأكد مصدر إسرائيلي لوكالة رويترز أن إسرائيل تمكنت خلال الفترة الماضية من تصفية عدد من كبار القادة الميدانيين في الحزب، لكنه أشار إلى أن الحزب “لا يزال قادراً على إعادة تنظيم صفوفه واتخاذ القرارات وتنفيذها”.
وأضاف المصدر أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات على أن حزب الله يسعى إلى خفض التصعيد في المواجهة الحالية.
العودة إلى تكتيكات حرب العصابات
تشير المصادر اللبنانية إلى أن حزب الله بدأ بتطبيق ما وصفته بـ”الدروس المستفادة” من المواجهات السابقة مع إسرائيل، خاصة مع احتمال وقوع اجتياح بري إسرائيلي واسع للبنان.
وفي هذا الإطار، عاد الحزب إلى تكتيكات حرب العصابات التي اعتمد عليها خلال سنوات الصراع الطويل مع إسرائيل في جنوب لبنان.
وتقوم هذه الاستراتيجية على نشر المقاتلين ضمن وحدات صغيرة مستقلة تعمل بمرونة عالية، ما يصعّب على الجيش الإسرائيلي تحديد مواقعهم أو استهدافهم بدقة.
كما يتجنب المقاتلون استخدام أجهزة الاتصال التي قد تكون عرضة للتنصت، ويعتمدون أساليب بديلة للتنسيق الميداني.

تقنين استخدام الصواريخ المضادة للدروع
ومن بين الإجراءات الجديدة التي اتخذها الحزب، اعتماد نظام تقنين استخدام الصواريخ الأساسية المضادة للدروع خلال الاشتباكات مع القوات الإسرائيلية.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس استعداد الحزب لاحتمال خوض حرب طويلة الأمد، تتطلب إدارة دقيقة للموارد العسكرية المتاحة.
الخيام.. محور القتال الميداني
حتى الآن، يتركز الجزء الأكبر من الاشتباكات الميدانية بالقرب من بلدة الخيام الواقعة عند ملتقى الحدود بين لبنان وإسرائيل وسوريا.
ويعتقد حزب الله أن هذه المنطقة قد تشكل نقطة انطلاق محتملة لأي غزو بري إسرائيلي في حال توسع العمليات العسكرية.
كما أشارت تقارير إلى أن مقاتلي وحدة الرضوان النخبوية التابعة للحزب عادوا إلى المنطقة بعد انسحابهم منها عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه عام 2024.
مواقع إسرائيلية داخل لبنان
في المقابل، يسيطر الجيش الإسرائيلي على بعض المواقع داخل الأراضي اللبنانية منذ الحرب الأخيرة مع حزب الله.
كما أنشأ ما وصفه بـ “مواقع دفاعية أمامية” في المناطق الحدودية، بهدف منع أي هجمات محتملة من الحزب على شمال إسرائيل.
وتأتي هذه التحركات في إطار تعزيز الوجود العسكري الإسرائيلي على الحدود الشمالية مع لبنان.
حسابات الحرب مرتبطة بإيران
وبحسب تقرير رويترز، فإن إسرائيل تخطط لمواصلة عملياتها العسكرية في لبنان حتى في حال انتهاء المواجهة الأوسع مع إيران.
في المقابل، تشير مصادر لبنانية إلى أن حسابات حزب الله تعتمد على بقاء القيادة الدينية في إيران وتجاوزها للحرب الحالية، ما قد يفتح الباب أمام وقف إطلاق نار إقليمي يكون الحزب جزءاً منه.
وتعتمد استراتيجية “العودة إلى الجذور” التي يتبعها حزب الله حالياً على إرث طويل من حرب الاستنزاف التي خاضها ضد القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
وقد بدأت هذه المواجهات منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 واستمرت حتى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان في مايو 2000.
وتقوم هذه الاستراتيجية على استخدام تكتيكات غير متكافئة، تستفيد من طبيعة التضاريس الجبلية الوعرة في جنوب لبنان، وتمنح المقاتلين قدرة على المناورة وتجنب الاستهداف المباشر.

الاستقلالية العملياتية للمجموعات الميدانية
شكلت الاستقلالية العملياتية أحد الركائز الأساسية في هيكل الفصائل المسلحة في لبنان، حيث تمتلك المجموعات الميدانية صلاحيات واسعة لاتخاذ القرارات دون الحاجة إلى الرجوع المستمر للقيادة المركزية.
وقد أثبت هذا الأسلوب فاعليته في الحفاظ على وتيرة العمليات العسكرية حتى في حال انقطاع الاتصالات أو اغتيال بعض القادة.
اختراقات تقنية هزت الحزب في 2024
شهد عام 2024 واحدة من أكبر الاختراقات الأمنية والتقنية في تاريخ الصراعات المعاصرة.
ففي 17 و18 سبتمبر 2024 تعرضت أجهزة الاتصال اللاسلكية من نوع “بيجر” و**”آيكوم”** المستخدمة من قبل كوادر حزب الله لهجمات متزامنة أدت إلى إصابة آلاف المقاتلين والمدنيين في مناطق مختلفة من لبنان.
واعتبرت تلك العملية بمثابة الضربة الافتتاحية للهجوم الإسرائيلي واسع النطاق الذي أعقبها.
ولم تتوقف الاختراقات عند هذا الحد، إذ تمكنت إسرائيل أيضاً من الوصول إلى شبكة الهاتف الخاصة بالحزب، وفق ما نقلته رويترز عن مسؤولين لبنانيين مطلعين على التحقيقات التي أجراها الحزب بعد الحرب.
ومنذ 2 مارس الجاري يشن الجيش الإسرائيلي هجمات على مناطق في جنوب لبنان، إضافة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت التي تعد أحد أبرز معاقل حزب الله.
وجاء ذلك بعد إعلان الحزب قصف أهداف داخل إسرائيل رداً على اغتيال المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي.
وفي الوقت نفسه، عزز الجيش الإسرائيلي وجوده العسكري في المناطق الحدودية الجنوبية.
خسائر متبادلة وضغوط داخلية
منذ استئناف القتال، أعلنت إسرائيل مقتل جنديين من قواتها خلال العمليات في لبنان.
في المقابل، يواصل حزب الله تنفيذ هجمات يومية بالصواريخ والطائرات المسيرة على مواقع وقواعد عسكرية إسرائيلية.
وتشكل الحرب الحالية تحدياً كبيراً للحزب، خاصة بعد اتفاق وقف إطلاق النار عام 2024 الذي أعقبه تصاعد الضغوط السياسية داخل لبنان لنزع سلاحه.
كما أعلنت الحكومة اللبنانية الأسبوع الماضي حظر الأنشطة العسكرية للحزب، في خطوة تعكس حجم التوتر السياسي الداخلي المرتبط بدوره العسكري.
اقرأ أيضًا:





