دور روسيا والصين في الحرب على إيران.. دعم محدود وحسابات استراتيجية معقدة
الحرب على إيران تثير التساؤلات حول موقف الحلفاء

منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تصاعدت التساؤلات حول موقف حلفاء طهران وشركائها الدوليين، وعلى رأسهم روسيا والصين، اللتان تربطهما بالجمهورية الإسلامية علاقات اقتصادية وعسكرية وسياسية وثيقة.
ومع دخول الحرب أسبوعها الثالث، باتت طبيعة الدعم الذي تقدمه موسكو وبكين لإيران محل نقاش واسع في وسائل الإعلام الغربية، وسط تقديرات تشير إلى أن هذا الدعم يظل محدودًا حتى الآن، رغم توصيف طهران للبلدين كشريكين إستراتيجيين.

إيران تؤكد وجود تعاون عسكري مع روسيا والصين
أقرّت إيران بوجود تعاون متعدد الأبعاد مع روسيا والصين خلال الحرب الحالية، يشمل مجالات سياسية واقتصادية وحتى عسكرية.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في مقابلة مع شبكة “MS Now” الأمريكية قبل أيام، إن بلاده تتلقى دعماً من موسكو وبكين بطرق مختلفة، من بينها “التعاون العسكري”.
وأضاف عراقجي أن روسيا والصين تمثلان شريكين إستراتيجيين لإيران خلال المواجهة الجارية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في إشارة إلى شبكة العلاقات المتنامية بين الدول الثلاث خلال السنوات الماضية.
لكن المسؤول الإيراني لم يكشف تفاصيل طبيعة هذا الدعم العسكري أو حجمه، وهو ما فتح الباب أمام تكهنات واسعة حول الدور الحقيقي لكل من موسكو وبكين في الحرب.
تعاون عسكري متنامٍ بين موسكو وطهران
بحسب تقرير نشره موقع “بوليتيكو” الأمريكي، فإن العلاقات العسكرية بين روسيا وإيران شهدت تطوراً ملحوظاً خلال العقد الماضي، خاصة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
وأشار التقرير إلى أن إيران زودت روسيا بطائرات مسيّرة من طراز “شاهد”، استخدمتها موسكو بشكل مكثف في حربها ضد أوكرانيا.
كما تطورت الشراكة العسكرية بين البلدين إلى حد إنشاء مصانع داخل الأراضي الروسية لإنتاج هذه الطائرات المسيرة، في خطوة تعكس مستوى غير مسبوق من التعاون الدفاعي بين الجانبين.

تقارير عن دعم روسي استخباراتي محدود
وفي سياق متصل، أفادت تقارير نشرتها صحيفة “واشنطن بوست” وقناة “سي إن إن” الأمريكية بأن روسيا ربما قدمت لإيران بعض أشكال الدعم العسكري المحدود.
ووفقاً لهذه التقارير، قد تكون موسكو ساعدت طهران في توفير بيانات استهداف أو تكتيكات متقدمة لاستخدام الطائرات المسيّرة، إلا أن هذه المساعدة -بحسب التقديرات الغربية- لن تحدث فارقاً حاسماً في مسار الحرب.
وتأتي هذه المعلومات في وقت تتسم فيه العلاقات الروسية الإيرانية بحساسية خاصة، نظراً لتداخل المصالح بين البلدين في عدة ملفات إقليمية ودولية.
تصريحات ترامب حول الدور الروسي
من جانبه، ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى احتمال وجود دعم روسي محدود لإيران.
وفي تصريحات صحفية أدلى بها خلال الأيام الماضية، قال ترامب إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يقدم لإيران “مساعدة طفيفة”، وربط ذلك بما اعتبره رداً غير مباشر على الدعم الأمريكي لأوكرانيا في حربها مع روسيا.
وعند سؤاله من قبل صحيفة “فايننشال تايمز” عما إذا كانت موسكو تزود إيران ببيانات أقمار صناعية لاستهداف أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية والإسرائيلية، أجاب ترامب قائلاً: “لا أعلم إن كان ذلك يحدث أم لا”.
وأضاف أن الولايات المتحدة قدمت أيضاً دعماً لأوكرانيا، ما يجعل من الصعب انتقاد أي دعم روسي محتمل لإيران في سياق الصراعات الدولية المتشابكة.
لماذا تراقب روسيا الحرب دون تدخل مباشر؟
في تحليل نشرته مجلة “فورين أفيرز”، طرحت المجلة سؤالاً لافتاً في عنوان مقالها: “لماذا تراقب روسيا إيران وهي تحترق؟”.
ووفقاً للتحليل، فإن موسكو لم تظهر حتى الآن استعداداً للتدخل بشكل مباشر لإنقاذ حليفها الإيراني، رغم الشراكة الإستراتيجية الوثيقة بين البلدين.
وأشارت المجلة إلى أن روسيا وإيران وقعتا العام الماضي “معاهدة الشراكة الإستراتيجية الشاملة”، التي تنص على التعاون في مواجهة التدخلات الخارجية في شؤون البلدين.
لكن المعاهدة لا تتضمن بنداً يلزم الطرفين بالدفاع العسكري المشترك، وهو ما يفسر –بحسب التحليل– عدم تقديم موسكو دعماً عسكرياً مباشراً لإيران في الحرب الحالية.

نمط روسي متكرر في التعامل مع الحلفاء
ترى مجلة “فورين أفيرز” أن موقف موسكو من الحرب الحالية يعكس نمطاً متكرراً في السياسة الخارجية الروسية.
فبحسب المجلة، غالباً ما تكتفي روسيا بإدانة الضغوط أو الهجمات التي يتعرض لها حلفاؤها، دون أن تقدم دعماً حاسماً على الأرض.
وضربت المجلة أمثلة على ذلك بما حدث في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وكذلك خلال الحرب بين أرمينيا وأذربيجان، إضافة إلى أزمة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
وترى المجلة أن موسكو غالباً ما تفضل تجنب الانخراط العسكري المباشر في مثل هذه الأزمات، خاصة عندما تكون منشغلة بصراعات أخرى مثل الحرب في أوكرانيا.
الحرب قد تخدم المصالح الاقتصادية لروسيا
رغم محدودية الدعم الروسي لإيران، تشير بعض التحليلات إلى أن استمرار الحرب قد يصب في مصلحة موسكو من الناحية الاقتصادية.
فمع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار الطاقة العالمية، وهو ما قد يساعد روسيا على زيادة إيراداتها النفطية والغازية.
وترى مجلة “فورين أفيرز” أن هذه الزيادة في أسعار الطاقة قد تسهم في تخفيف الضغوط المالية التي تواجهها روسيا بسبب الحرب الطويلة في أوكرانيا.
دعم استخباراتي سري محتمل
ورغم هذا الموقف الحذر، لا تستبعد بعض التقديرات أن تكون موسكو تقدم لإيران مساعدات غير معلنة يصعب رصدها.
وقد تشمل هذه المساعدات تبادل معلومات استخباراتية أو بيانات استطلاع فضائي يمكن أن تساعد إيران في تحسين دقة استهدافها خلال الرد على الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
لكن هذه الأنشطة، بحسب مسؤولين أمريكيين، تبقى محدودة مقارنة ببرنامج الدعم الاستخباراتي الواسع الذي قدمته الولايات المتحدة لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022.

الصين.. شريك اقتصادي أكثر منه عسكري
على الجانب الآخر، تختلف طبيعة العلاقة بين إيران والصين، حيث يغلب عليها الطابع الاقتصادي أكثر من العسكري.
ففي عام 2021، وقع البلدان اتفاقية تعاون اقتصادي طويلة الأمد تمتد لمدة 25 عاماً، وتركز بشكل أساسي على قطاع الطاقة.
وتتضمن الاتفاقية توريد النفط الإيراني إلى الصين بأسعار تفضيلية، مقابل استثمارات صينية في قطاعات البنية التحتية والطاقة داخل إيران.
الحرب تستهدف إمدادات الطاقة إلى الصين
مع اندلاع الحرب، أشارت تقارير عديدة إلى أن أحد الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة قد يكون تقويض وصول الصين إلى النفط الإيراني الرخيص.
فبكين تُعد أكبر مستورد للنفط الإيراني، خاصة في ظل العقوبات الدولية المفروضة على طهران.
كما أن الولايات المتحدة وضعت يدها مؤخراً على الموارد النفطية في فنزويلا، التي كانت بدورها مصدراً مهماً للطاقة بالنسبة للصين.
ضغوط متزايدة على الصين في سوق الطاقة
نتيجة لهذه التطورات، تجد الصين نفسها مضطرة إلى الاعتماد بشكل أكبر على النفط والغاز الروسيين لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة.
وترى بعض التحليلات أن هذه التحولات قد تعيد رسم خريطة تجارة الطاقة العالمية، وتزيد من الترابط الاقتصادي بين موسكو وبكين.

تقييم غربي: الصين حليف غير موثوق لإيران
في تعليق نشرته مجلة “أتلانتيك”، اعتبرت المجلة أن الحرب الحالية كشفت حدود الدور الصيني في دعم إيران.
وقالت المجلة إن الصراع حقق “إنجازاً واحداً على الأقل” من منظور واشنطن، وهو إضعاف موقع الصين باعتبارها المنافس الإستراتيجي الرئيسي للولايات المتحدة.
وأضافت أن الأزمة أظهرت أن بكين ليست حليفاً يمكن الاعتماد عليه بالكامل بالنسبة لإيران في أوقات الأزمات الكبرى.
توازنات معقدة في صراع دولي متشابك
في المجمل، تعكس مواقف روسيا والصين من الحرب على إيران توازنات دقيقة بين المصالح الإستراتيجية والمخاطر الجيوسياسية.
فبينما تحرص موسكو وبكين على الحفاظ على علاقاتهما مع طهران، فإنهما في الوقت نفسه تتجنبان الانخراط المباشر في صراع قد يؤدي إلى مواجهة أوسع مع الولايات المتحدة وحلفائها.
وبين الدعم المحدود والحسابات الإستراتيجية المعقدة، يبدو أن دور الحلفاء في الحرب سيظل عاملاً مهماً في تحديد مسار الصراع خلال المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضًا:





