عربية ودولية

«روسيا وإيران: توازن قوى أم مصالح تاريخية» وما هي أهمية الملف النووي الإيراني للكرملين؟

تتميز العلاقة بين روسيا وإيران بأنها علاقة استراتيجية معقدة، تحكمها المصالح المشتركة والمتغيرة، والمصالح الجيوسياسية والاقتصادية التي تتشابك فيها قضايا الطاقة والأمن والسياسة الخارجية.

ويحتل الملف النووي الإيراني موقعًا محوريًا في هذه العلاقة، باعتباره أحد أبرز الملفات التي تساهم في تشكيل طبيعة التعاون والتنسيق بين موسكو وطهران، مع تداخل عوامل متعددة أبرزها مواجهة النفوذ الغربي، والمصالح الاقتصادية المشتركة، والسعي لتحقيق توازن إقليمي يخدم مصالح الطرفين.

وتجلت أهمية الملف في إعلان الكرملين، أمس الأربعاء، أن المحادثات المقبلة بين روسيا والولايات المتحدة ستشمل مناقشة الملف النووي الإيراني، وهو موضوع تمت الإشارة إليه بشكل غير مفصل خلال جولة أولية من المباحثات بين الجانبين في الرياض الشهر الماضي.

روسيا وإيران: والملف النووي الإيراني 
روسيا وإيران: والملف النووي الإيراني

روسيا وإيران: والملف النووي الإيراني 

منذ بداية البرنامج النووي الإيراني، كانت روسيا طرفًا رئيسيًا في هذا الملف، حيث لعبت أدوارًا متعددة تراوحت بين الدعم التقني والدبلوماسي لإيران، وبين السعي للعب دور الوسيط بين طهران والغرب.

فموسكو كانت شريكًا أساسيًا في بناء مفاعل بوشهر النووي، وهو المشروع الذي عكس جانبًا من التعاون التقني بين البلدين في المجال النووي السلمي. كما أن روسيا تبنت مواقف مرنة إلى حد كبير في مجلس الأمن الدولي، فدعمت في بعض الأحيان قرارات فرض عقوبات على إيران، وفي أحيان أخرى سعت لتخفيفها أو تأجيلها، بما يتناسب مع مصالحها الإستراتيجية.

تنظر روسيا إلى الملف النووي الإيراني من زاويتين: الأولى تتعلق بالعلاقة الثنائية مع طهران، إذ ترى في إيران شريكًا إقليميًا مهمًا في منطقة الشرق الأوسط، خصوصًا في مواجهة النفوذ الأمريكي في المنطقة.

والثانية تتعلق بمكانة روسيا الدولية، إذ تحرص موسكو على البقاء لاعبًا رئيسيًا في أي ترتيبات أو مفاوضات دولية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، سواء عبر مفاوضات فيينا أو عبر إطار الاتفاق النووي الموقع عام 2015 والمعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA).

اقرأ أيضًا:

هل تعود الحرب على غزة؟ حماس ترفض المقترح الإسرائيلي ومصر تدين إيقاف المساعدات الإنسانية

لماذا تهتم روسيا بالملف النووي الإيراني؟ 

في الوقت ذاته، فإن روسيا لديها مخاوف من أن يؤدي امتلاك إيران لسلاح نووي إلى تغييرات استراتيجية قد لا تخدم مصالحها على المدى البعيد، خاصة إذا أدى ذلك إلى سباق تسلح نووي في منطقة الخليج، أو دفع دول أخرى مثل السعودية وتركيا إلى تطوير برامج نووية مماثلة. ولذلك، تتبنى موسكو سياسة معقدة تحاول عبرها الموازنة بين دعم إيران في تطوير برنامج نووي سلمي، وفي نفس الوقت منعها من امتلاك قنبلة نووية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن التعاون النووي بين روسيا وإيران يحمل أبعادًا اقتصادية مهمة. فروسيا تسعى للاستفادة من مشاريع الطاقة النووية الإيرانية، سواء في مجال بناء وتشغيل المفاعلات أو في توريد الوقود النووي والخبرات التقنية. وفي ظل العقوبات الغربية المفروضة على إيران، وجدت روسيا فرصًا لتعزيز التعاون الثنائي في مجالات الطاقة والتجارة العسكرية والتقنية.

وتزداد أهمية الملف النووي الإيراني بالنسبة لروسيا بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، حيث باتت روسيا أكثر تقاربًا مع إيران في مواجهة الضغوط الغربية. وظهر ذلك في التعاون العسكري المتزايد، بما في ذلك تزويد روسيا بطائرات مسيرة إيرانية استخدمتها في الحرب. هذا التقارب العسكري ينعكس أيضًا على تنسيق المواقف في الملف النووي، إذ تدعم روسيا مواقف إيران في مواجهة الولايات المتحدة، مقابل دعم إيراني لمواقف موسكو في المنظمات الدولية.

باختصار، الملف النووي الإيراني ليس مجرد قضية إيرانية داخلية بالنسبة لروسيا، بل هو ورقة استراتيجية تستخدمها موسكو لتعزيز نفوذها الدولي، وتوسيع نفوذها الإقليمي، وتحقيق مكاسب اقتصادية وتقنية، مع الحرص على ضبط التوازن حتى لا تتحول إيران إلى قوة نووية تهدد الاستقرار الإقليمي وتفرض وقائع جديدة لا تخدم المصالح الروسية. 

واهتمام روسيا بقضية الملف النووي الإيراني ينطلق من عدة اعتبارات استراتيجية وسياسية واقتصادية، ويمكن تلخيص أبرز أوجه هذا الاهتمام فيما يلي:

الاعتبارات الجيوسياسية

تقليص النفوذ الأمريكي: روسيا ترى في التعاون مع إيران، بما في ذلك في الملف النووي، وسيلة لتقويض النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. فالملف النووي ورقة مساومة مهمة في سياق الصراع الروسي-الأمريكي.

تعزيز التحالف مع إيران: إيران تعتبر شريكًا استراتيجيًا لروسيا في مواجهة النفوذ الغربي، سواء في سوريا أو في قضايا الطاقة، ومن مصلحة روسيا الحفاظ على علاقات جيدة مع طهران.

 

الملف النووي كورقة ضغط

روسيا تستغل دورها كلاعب رئيسي في المفاوضات النووية (باعتبارها عضوًا في مجموعة 5+1) للضغط على الغرب وللتأكيد على مكانتها كقوة عظمى لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية أو دولية.

 

المصالح الاقتصادية

التعاون النووي السلمي: روسيا شريك رئيسي في بناء وتشغيل مفاعل بوشهر النووي الإيراني، وتسعى لتعزيز هذا التعاون في مشاريع نووية جديدة.

التبادل التجاري: رغم العقوبات، تسعى روسيا لتعزيز علاقاتها التجارية مع إيران، وخاصة في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا العسكرية.

التوازن الإقليمي

روسيا معنية بمنع حصول إيران على سلاح نووي بشكل فعلي، لأن ذلك قد يؤدي إلى سباق تسلح إقليمي يهدد المصالح الروسية، خاصة مع دول الجوار كتركيا والسعودية. لكنها في الوقت ذاته، ليست معنية تمامًا بإيقاف البرنامج النووي الإيراني السلمي، بل تريد استمرار الملف كورقة تفاوضية.

 

العقوبات الدولية

روسيا تنظر إلى العقوبات المفروضة على إيران باعتبارها سلاحًا غربيًا قد يُستخدم ضدها أيضًا، لذا تتبنى موقفًا مرنًا تجاه إيران وتسعى لكسر العزلة المفروضة عليها كلما أمكن.

روسيا ترى في الملف النووي الإيراني ملفًا متعدد الأبعاد: فرصة لتعزيز دورها الدولي، وأداة للضغط على الغرب، ووسيلة لدعم شريك إقليمي مهم، مع الحرص على عدم وصول إيران إلى السلاح النووي بشكل يهدد الاستقرار الإقليمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى