زلزال مالي صامت.. العالم يبيع السندات الأمريكية

في خضمّ توتراتٍ متصاعدة أشعلتها الحرب في إيران، بدأت خيوط أزمة مالية عالمية تتكشف بهدوء خلف الكواليس، فلم تكن هذه المرة أزمة بنوك أو انهيارًا مفاجئًا للأسواق، بل تحركًا تدريجيًا عميق الأثر، حيث بدأت البنوك المركزية حول العالم تتخلى عن أحد أكثر الأصول أمانًا، وهو سندات الخزانة الأمريكية.
ومن داخل أروقة بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ظهرت الأرقام كإشارة إنذار، إذ تراجعت حيازات المؤسسات الرسمية الأجنبية بنحو 82 مليار دولار خلال فترة قصيرة، لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من عقد عند 2.7 تريليون دولار، في مؤشر يعكس تغيرًا واضحًا في سلوك هذه الجهات.
الشرارة جاءت من الشرق الأوسط، حيث أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز، وهو ممر حيوي لإمدادات النفط، إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، ما وضع ضغوطًا كبيرة على الدول المستوردة للنفط، ومع ارتفاع الدولار، ازدادت الأزمة تعقيدًا، إذ باتت العملات المحلية لتلك الدول تواجه تراجعًا ملحوظًا، وهو ما دفع البنوك المركزية إلى التدخل في أسواق الصرف الأجنبي لحماية عملاتها، وهي عملية تتطلب ضخ الدولار، ما أجبرها على بيع أصول دولارية، وفي مقدمتها سندات الخزانة الأمريكية، وهو ما يفسر موجة البيع الأخيرة.
هذا التحرك لم يكن بلا تبعات، فقد أدى بيع السندات إلى ارتفاع عوائدها، ما انعكس في زيادة تكاليف الاقتراض على الحكومة الأمريكية والشركات وحتى الأفراد، بالتزامن مع تصاعد مخاوف المستثمرين من موجة تضخم جديدة مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه، بدأت ملامح تحول أعمق في النظام المالي العالمي بالظهور، حيث لم تعد سندات الخزانة الأمريكية الخيار المهيمن كما في السابق، إذ يتجه مديرو الاحتياطيات إلى تنويع استثماراتهم وتقليل الاعتماد على الدولار، وهو ما يعكس إعادة تقييم أوسع لمخاطر وتركيبة الأصول في عالم يشهد تقلبات متسارعة.



