إمبراطورية الابتكار: ست طرق غير بها المغول مجرى التكنولوجيا والتاريخ

حين انطلقت جحافل المغول من سهوب آسيا في القرن الثالث عشر، كانت وجهتها ليست فقط الغزو، بل إعادة تشكيل ملامح أوراسيا سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا.
وبالرغم من أن اسمهم ارتبط لقرون بالدمار والفتوحات الوحشية، إلا أن الإمبراطورية المغولية لم تكن مجرد آلة عسكرية، بل كانت أيضًا حاضنة غير متوقعة للابتكار العلمي والتكنولوجي.
ست طرق غير بها المغول مجرى التكنولوجيا والتاريخ
امتدت جيوش رماة السهام المغولية من أقاصي الصين شرقًا إلى أطراف أوروبا غربًا، وأطاحت بإمبراطوريات ضاربة في القدم، تاركة خلفها مدنًا محطمة ومستعمرات خاوية.
إلا أن هذا الدمار، كان في كثير من الأحيان مقدمة لإعادة الإعمار على أسس جديدة. فبمجرد أن أحكم المغول قبضتهم على الأراضي الشاسعة، بدأوا في بناء اقتصادهم، وإعادة تنشيط التجارة، وجذب المهارات من مختلف الثقافات، وتوظيف العقول لصالح مشروعهم الإمبراطوري الطموح.
وإليك ست طرق بارزة أسهم بها المغول في دفع عجلة الابتكار وتغيير مجرى التاريخ:

1. المراكز العلمية: من الغزو إلى البحث
لم يكن اهتمام المغول بالعلماء نابعًا من شغف ثقافي فحسب، بل من إيمان عملي بأن المعرفة يمكن أن تعزز قوتهم. ففي ستينيات القرن الثالث عشر، أنشأ هولاكو خان – حفيد جنكيز خان – مركزًا بحثيًا فريدًا من نوعه في مدينة مراغة الواقعة اليوم في أذربيجان الإيرانية.
وجمع فيه نخبة من المفكرين والعلماء من مختلف أنحاء أوراسيا، ودفعهم لدراسة الكيمياء، والطب، والتنجيم، وكل ما من شأنه أن يطيل عمر السلطان أو يعزز صحته.
رغم أن بعض هذه الأهداف كانت غير واقعية، إلا أن تراكم المعرفة في هذا المركز أدى إلى تطورات علمية مهمة، خاصة في علم المثلثات.
وأبرز ثمار هذه النهضة كان مرصد مراغة الذي أنشأه العالم الفارسي ناصر الدين الطوسي، ويُعد أحد أكثر المراصد تطورًا في العالم آنذاك، ممهّدًا الطريق أمام تقدم علم الفلك لاحقًا.
2. تسريع التجارة ونقل الاختراعات
رأى المغول في التجارة ركيزة أساسية لبقاء إمبراطوريتهم، فشجعوها بكل الوسائل الممكنة، وفتحوا طرقًا وأسواقًا جديدة أمام السلع والأفكار. ومن خلال هذه الشبكات، بدأت تقنيات لم تكن معروفة خارج الصين، كالبوصلة والبارود، في التسلل إلى بقية العالم.
يرى المؤرخ تيموثي ماي في كتابه فن الحرب المغولي أن البارود، على سبيل المثال، ربما لم يكن لينتشر بهذه السرعة لولا الغزو المغولي للصين.
فعبر شبكاتهم التجارية والعسكرية، وصلت هذه التقنية إلى البحر المتوسط، ومنها إلى البيزنطيين ثم أوروبا، في تطور غير مسبوق ساهم في إعادة تشكيل طبيعة الحروب لاحقًا.

3. نقل تقنيات الأسلحة شرقًا وغربًا
لم يكتف المغول بتصدير التقنية من الشرق إلى الغرب، بل فعلوا العكس أيضًا. ففي سبعينيات القرن الثالث عشر، استعانوا بمهندسين مسلمين من الشرق الأدنى لبناء منجنيقات موازنة متطورة ساعدت في الإطاحة بسلالة سونغ الحاكمة في الصين.
يشير المؤرخ مايكل فولتون إلى أن هذه الأسلحة، التي نشأت خلال الحروب الصليبية، أُعيد توطينها بفضل المغول في شرق آسيا، مما يمثل حلقة معقدة من تبادل التكنولوجيا العسكرية عبر القارات.
4. التجربة الجريئة في النقود الورقية
رغم خلفيتهم البدوية، لم يتردد قادة المغول في تبني التجارب الاقتصادية المتقدمة. فاعتمدوا النقود الورقية، وهي تقنية ابتكرتها الصين، وفرضوها في مدن مثل تبريز، العاصمة التجارية لهم في الشرق الأدنى.
إلا أن هذه التجربة لم تلق النجاح المنشود؛ فالسكان المحليون لم يثقوا في هذه العملة الجديدة، ورفضوا استخدامها، رغم العقوبات الصارمة التي فرضها المغول. ومع ذلك، تظل التجربة شاهدة على استعدادهم لتبني أفكار جريئة.

5. نظام عسكري متقدم ألهم العالم
عُرف المغول بتنظيمهم العسكري المحكم، الذي اعتمد على النظام العشري: حيث تُقسم الجيوش إلى وحدات من 10، و100، و1000، و10,000 مقاتل. هذا التنظيم جذب أنظار الأعداء قبل الحلفاء.
عندما أرسل البابا إنوسنت الرابع مبعوثه الراهب يوحنا من بلانو كاربيني إلى المغول عام 1245، عاد بتقرير مثير عن الكفاءة العسكرية العالية لديهم. أوصى في تقريره بأن تتبنى الجيوش المسيحية ذات النظام، إن أرادت الوقوف بوجه المغول. تجاهل حكام أوروبا نصيحته، لكن دولًا أخرى استفادت لاحقًا من هذا النموذج في بناء جيوشها.
6. نقل غير مقصود للأوبئة
لم يكن كل ما نقله المغول مفيدًا. فإلى جانب التجارة والأفكار، نقلت جيوشهم الطاعون الأسود إلى مناطق شاسعة من العالم.
ووفقًا لدراسة المؤرخة مونيكا غرين عام 2020، فإن الجرذان الحاملة للطاعون، والمنتشرة في معسكرات المغول وقوافلهم، ربما ساهمت في نقل الوباء من آسيا الوسطى إلى أوروبا، ما أدى إلى واحدة من أسوأ الكوارث الصحية في تاريخ البشرية.
اقرأ أيضًا:
منشأة فوردو النووية الحصينة.. لماذا تعجز إسرائيل عن ضرب قلب البرنامج الإيراني؟
إرث مزدوج… بين الدم والاختراع
مع مرور الوقت، انقسمت الإمبراطورية المغولية إلى كيانات متناحرة، وبدأت تتبنى ثقافات الشعوب التي حكمتها. لكن رغم تراجعها، بقيت الإمبراطورية المغولية علامة فارقة في التاريخ، لا فقط بما خلّفته من أنقاض، بل بما نقلته من معرفة.
لقد ساهم المغول، عن قصد أو دون قصد، في خلق عالم أكثر تواصلًا، حيث الأفكار تنتقل كما تنتقل الجيوش، وحيث يتحوّل الغزو من وسيلة سيطرة إلى مسرح لتجريب جديد في الإدارة، والتكنولوجيا، وحتى الاقتصاد.





