صرخات لا يسمعها العالم في رمضان.. قلوب أطفال غزة تنبض خوفًا وألمًا

في أكثر بقاع القرن الحادي والعشرين وجعًا، حيث تتجاور الحياة مع الخطر في كل لحظة، تقف قطاع غزة شاهدةً على مأساة لا تُقاس بعدد القنابل فقط، بل بعدد القلوب الصغيرة التي تحاول أن تستمر في الخفقان رغم كل شيء.
هنا، لا يبدأ ألم مرضى القلب من غرفة العمليات، بل من صرخةٍ مكتومة لا تجد من يسمعها، ومن نبضةٍ ضعيفة تتعثر تحت ثقل الحرب وانهيار ما تبقى من منظومة صحية أنهكها القصف والحصار.
في غزة، يُقاس الألم بطريقة مختلفة؛ بعدد القلوب التي تخفق خوفًا كل ليلة، وبعدد الأمهات اللواتي يراقبن صدور أطفالهن وهي تعلو وتهبط بصعوبة، ينتظرن معجزةً طبية لم تعد متاحة، انتهى العدوان، لكن المأساة لم تنتهِ، بل بدأت فصولها الأشد قسوة، حين أصبح المرض عدوًا بلا دواء، وأصبح الانتظار حكمًا بالإعدام البطيء.
داخل أروقة المستشفيات المتعبة، تختلط أنفاس الأطفال بأنين الأجهزة المعطلة، ويكبر الألم مع كل دواءٍ مفقود، وكل جهازٍ لا يعمل، وكل طبيبٍ يقف عاجزًا أمام حالةٍ تحتاج ما هو أبعد من الإمكانات المتبقية. قلوبٌ خُلقت لتنبض بالحياة، وجدت نفسها تقاتل وحدها؛ بلا قسطرة تُجرى، ولا جراحة تُنقذ، ولا تحويلة تفتح باب أمل.

هؤلاء الأطفال لم يعرفوا الطفولة كما يعرفها أطفال العالم. لم يركضوا في ساحات اللعب، ولم تملأ ضحكاتهم البيوت. ما عرفوه هو أسِرّة المستشفيات، ووجوه الأطباء المثقلة بالعجز، ونظرات الخوف التي لا تغادر عيون أمهاتهم. بالنسبة لهم، كل نبضة معركة، وكل شهيق اختبار بقاء.
مرضى القلب من أطفال غزة ليسوا أرقامًا في تقارير طبية، بل حكايات حيّة عن ظلمٍ إنسانيٍ قاسٍ، أجسادٌ صغيرة لم تحتمل ثقل الحرب ولا قسوة الإهمال، تصرخ بصمت خلف جدران متشققة وواقع صحي منهار. هناك، تُؤجَّل العمليات، وتُعلَّق القرارات، ويُترك الأطفال في مواجهة مصيرٍ لا يليق ببراءتهم.
الأمهات يعدن الثواني بدل السنوات، يودعن أبناءهن كل صباح وكأن اللقاء قد لا يتكرر. والآباء يقفون أمام حقيقةٍ موجعة: أن حياة أطفالهم قد تتوقف على تصريح سفر، أو سرير عناية، أو دواءٍ غير متوفر.
في هذا المكان المحاصر بالألم، لا يطلب القلب الصغير المستحيل. كل ما يريده فرصة للنجاة؛ فرصة ليخفق دون ألم، ليكبر دون خوف، وليعيش كما يعيش أطفال العالم. لكن مع انهيار المنظومة الصحية، تحول هذا الحق البسيط إلى حلم بعيد، تطارده صرخات الأطفال دون علاج، ودموع الأمهات التي لا تجف.
في أحد بيوت غزة البسيطة، يعيش الطفل يزن أبو ظريفة، ذو الأعوام الأربعة والنصف، معركة يومية مع المرض. جسده الصغير يحمل ما لا تحتمله أجساد الكبار؛ أمراضًا معقدة تضرب قلبه وكليتيه في آنٍ واحد.
يعاني يزن من تضيق حاد في الصمام الأورطي، وهو مرض خطير يعيق تدفق الدم من قلبه، ويجعله يتعب مع كل حركة وكل نفس. لكن معاناته لا تقف عند القلب؛ فقد أصيب أيضًا بمرض كلوي مزمن تسبب في تلف الحالب، ما أدخل جسده في دائرة من الألم المستمر والمضاعفات الصحية.
ومع مرور الوقت، تدهورت حالته أكثر؛ سوء تغذية حاد أنهك جسده، وفقر دم شديد أضعف قوته، وتأخر واضح في النمو أثر في جهازه العصبي وقدرته الجسدية. طفل في عمر اللعب والضحك، يقضي أيامه بين التعب والدواء والانتظار.





