عربية ودولية

غرينلاند بين واشنطن وكوبنهاغن| لماذا يصرّ ترامب على ضم الجزيرة رغم رفض الدنمارك؟

لا تزال الخلافات بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والدنمارك حول إقليم غرينلاند قائمة دون أي مؤشرات على انفراج قريب، في ظل تمسك واشنطن بموقف يثير قلق الحلفاء الأوروبيين، ورغم جولات المحادثات المتكررة، كان آخرها لقاء وزيري خارجية الدنمارك وغرينلاند مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، فإن الجمود ظل سيد الموقف، ما يعزز القناعة بأن جوهر الخلاف يتجاوز القضايا الأمنية أو الاقتصادية إلى طموح توسعي مباشر.

 

مفاوضات بلا نتائج… والسبب أعمق

عدم توصل المحادثات الأخيرة إلى أي اتفاق لم يكن مفاجئًا، وفق مراقبين، إذ يعكس استمرار الخلاف الدافع الحقيقي لإدارة ترامب، والمتمثل في تملّك غرينلاند نفسها، وليس مجرد توسيع الوجود العسكري أو التعاون الأمني.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

ويشير موقع «ريسبونسيبل ستايت كرافت» إلى أن إصرار ترامب على ضم الجزيرة يعكس رؤية أيديولوجية أعمق لطبيعة السلطة الرئاسية ودور الولايات المتحدة في العالم، خاصة خلال ولايته الثانية.

 

ترامب وفلسفة التوسع الإقليمي

طوال عامه الأول في ولايته الثانية، لم يُخفِ ترامب هوسه بالتوسع الإقليمي، وحرصه على ترك بصمة تاريخية غير مسبوقة. ويستشهد مراقبون بسلوكيات رمزية تعكس هذه النزعة، أبرزها ما كشفته صحيفة «وول ستريت جورنال» عن سعي ترامب لاقتناء صورة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمس ك. بولك وتعليقها في المكتب البيضاوي.

وبولك يُعد من أبرز رموز التوسع الإقليمي في التاريخ الأمريكي، إذ ضاعف مساحة الولايات المتحدة عبر حرب الغزو ضد المكسيك في القرن التاسع عشر. وعلّق ترامب حينها قائلًا:

«لقد حصل على الكثير من الأراضي».

 

غرينلاند… صفقة عقارية أم مشروع إرث سياسي؟

يرى ترامب أن الإشراف على عملية توسّع مماثلة سيخلد اسمه في كتب التاريخ. ففي عام 2021، شبّه فكرة ضم غرينلاند بـ«صفقة عقارية»، معتبرًا أن حجم الجزيرة وثرواتها يجعلها مؤهلة لأن تكون جزءًا من الولايات المتحدة.

وقال آنذاك:  «انظروا إلى حجمها… إنها هائلة، ويجب أن تكون جزءًا من الولايات المتحدة».

وبحسب «ريسبونسيبل ستايت كرافت»، يمكن تخيّل مدى جاذبية هذا السيناريو لترامب، باعتباره أول رئيس أمريكي يوسّع خريطة البلاد منذ قرابة مئة عام.

قد يبدو التوسع الإقليمي متناقضًا مع طموحات ترامب المعلنة للفوز بجائزة نوبل للسلام، إلا أن التاريخ الأمريكي يقدم سابقة لافتة، إذ نجح الرئيس ثيودور روزفلت في الجمع بين التوسع العسكري والحصول على الجائزة، وهو ما قد يغذي قناعة ترامب بإمكانية الجمع بين الأمرين.

 

تفكيك ذريعة الأمن القومي

رغم وضوح الدوافع التوسعية، ركزت معظم الانتقادات على تفنيد مبررات ترامب الأمنية، والتي يزعم فيها أن ضم غرينلاند ضرورة للأمن القومي الأمريكي، إضافة إلى ادعاءات حول ثروات ضخمة من النفط والمعادن الحيوية.

لكن الوقائع تشير إلى أن:

الولايات المتحدة تمتلك بالفعل صلاحيات واسعة لتعزيز وجودها العسكري في غرينلاند بموجب اتفاق الدفاع لعام 1951

واشنطن هي من خفّضت وجودها العسكري هناك بعد الحرب الباردة طواعية

الدنمارك وغرينلاند أبدتا انفتاحًا واضحًا على توسيع الوجود الأمريكي ضمن الإطار القانوني القائم

كما أن المزاعم حول نشاط مكثف للسفن الروسية والصينية في مياه غرينلاند لا تستند إلى وقائع ثابتة، فضلًا عن تعاون كوبنهاغن وغرينلاند مع واشنطن لمنع الاستثمارات الصينية من الوصول إلى البنية التحتية الحيوية للجزيرة.

مظاهرات في الدنمارك وجرينلاند

خط أحمر: سيادة الحلفاء وحق تقرير المصير

يؤكد محللون أن الاستيلاء على أراضي دولة حليفة، سواء عبر الضغط الدبلوماسي أو التهديد العسكري، وضد إرادة سكانها، يُعد خرقًا صريحًا للقانون الدولي ولمبادئ السيادة وحق تقرير المصير.

ويحذر «ريسبونسيبل ستايت كرافت» من خطورة تكريس مبدأ يتيح للولايات المتحدة استخدام ذريعة «الأمن القومي» لانتهاك التزامات تعاهدية ممتدة لعقود.

لطالما استخدم ترامب مفهوم الأمن القومي لتبرير قرارات مثيرة للجدل، بدءًا من فرض الرسوم الجمركية، وصولًا إلى تسريع عمليات الترحيل الجماعي. ويرى منتقدوه أن ضم غرينلاند سيكون التعبير الأكثر تطرفًا عن هذا النهج، مع عواقب عكسية على مكانة الولايات المتحدة الدولية.

 

هل يتراجع ترامب عن مخططه؟

يرجّح مراقبون عدة سيناريوهات قد تدفع ترامب إلى التراجع أو التأجيل، من بينها:

معارضة الجمهوريين المتشددين داخل الكونغرس

المخاوف من تدهور العلاقات عبر الأطلسي

الرفض الشعبي الداخلي لفكرة الضم

انشغال الإدارة بأزمات داخلية أو دولية أكثر إلحاحًا

ويرى خبراء أن التوصل إلى اتفاق مع الدنمارك وغرينلاند لزيادة القواعد والقوات الأمريكية، إلى جانب منح شركات أمريكية فرصًا أكبر لاستخراج النفط والغاز والمعادن الحيوية، قد يشكل مخرجًا عمليًا للأزمة.

وقد يكون هذا السيناريو كافيًا لترامب لإعلان «نصر سياسي»، دون المساس بسيادة الحلفاء أو إثارة أزمة دولية واسعة، ما يجعله الخيار الأكثر قبولًا لدى معظم الأطراف المعنية.

اقرأ أيضًا:

مظاهرات واسعة في الدنمارك وغرينلاند احتجاجاً على خطط ترامب لضم الجزيرة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى