20 مليون شاب قادمون إلى سوق العمل| فرصة تاريخية لـ آسيا الوسطى

في قلب التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، تقف آسيا الوسطى وأوروبا على طرفي نقيض من الحكاية الديموغرافية. حكاية لا تُروى بالأرقام فقط، بل تنسجها تفاصيل الحياة اليومية للأسر، واختيارات النساء والرجال، وأحلام الأجيال القادمة.
في آسيا الوسطى، يبدأ المشهد بزخمٍ واضح. مدن تتسع، مدارس تزدحم بالأطفال، وأصوات الشباب تطغى على الفضاء العام، تقرير حديث لصندوق الأمم المتحدة للسكان يرسم ملامح هذا المستقبل، متوقعًا أن يتجاوز عدد سكان المنطقة 114 مليون نسمة بحلول عام 2050. إنها موجة نمو سكاني تسير بعكس التيار العالمي، وخصوصًا عكس ما تعيشه أوروبا وشرق آسيا، حيث تقلّ المواليد وتزداد الشيخوخة.
فرصة تاريخية لآسيا الوسطى
لكن هذه الأرقام، كما يؤكد الخبراء، ليست مجرد إحصاءات جامدة. إنها تنعكس في قرارات عائلية حميمية، وفي نقاشات تدور داخل البيوت حول الإنجاب والتعليم والعمل. فآسيا الوسطى تعيش ما يُعرف بـ«النافذة الديموغرافية النادرة»، حيث يُتوقع أن يرتفع عدد السكان في سن العمل من 50 مليونًا إلى 71 مليونًا خلال ربع قرن. أكثر من 20 مليون شاب وامرأة سيدخلون سوق العمل، حاملين معهم طموحات كبيرة وتحديات لا تقل حجمًا.

تقول نيجينا عباس زاده، ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان في أوزبكستان، إن هذه الفرصة ثمينة لكنها محدودة زمنيًا. نحو ثلث سكان المنطقة دون سن الخامسة عشرة، ما يعني أن أنظمة التعليم وسوق العمل والرعاية الاجتماعية ستظل تحت ضغط مستمر، وتضيف أن السؤال الحقيقي ليس كم سيكون عدد السكان، بل ما إذا كانت الدول ستنجح في تحويل هذا النمو إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية، الاستثمار في التعليم والصحة، وفتح أبواب العمل اللائق، خاصة أمام النساء والشباب، هو ما سيحدد مآلات هذه القصة.
20 مليون شاب قادمون إلى سوق العمل في آسيا الوسطى
وفي البيوت الأوزبكية، تُروى الحكاية بلهجة أكثر قربًا، سايورا ماماراييموفا، ربة منزل في التاسعة والخمسين، تستعيد ذكريات نشأتها في عائلة كبيرة من ثمانية أفراد، تقول إن ذلك الدفء العائلي هو ما دفعها لأن تنجب خمسة بنات، لم يكن القرار عاطفيًا فقط، بل محسوبًا بعناية، فالصحة والقدرة المالية والتعليم كانت حاضرة دائمًا في تفكيرها: «الأطفال نعمة، لكن مسؤوليتهم أكبر».

أما فيروزا سعيدحاجاييفا، فقد اختارت مسارًا آخر يجمع بين الأمومة والعمل. ربّت أربعة أطفال، وواصلت مسيرتها المهنية دون انقطاع. بالنسبة لها، الاستقلال المالي والتخطيط هما حجر الأساس لأي عائلة كبيرة، تعترف بأن لهذه العائلات مزايا إنسانية واجتماعية كبيرة، لكنها لا تنجح دون انضباط وتقاسم للمسؤوليات.
أوزبكستان، أكبر دول آسيا الوسطى سكانًا، تجسد هذا الزخم بوضوح. فقد بلغ عدد سكانها 37.4 مليون نسمة في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 52 مليونًا بحلول 2050، وحتى في تفاصيل الأيام العادية، يظهر هذا النمو؛ ففي أول 24 ساعة من عام 2026، استقبلت البلاد 1815 مولودًا جديدًا، في مشهد يعكس استمرار تدفق الحياة.
وعلى الضفة الأخرى من القصة، تبدو أوروبا وكأنها تسير في اتجاه معاكس. معدلات الخصوبة في الاتحاد الأوروبي تدور حول 1.38 طفل لكل امرأة، أي أقل بكثير من مستوى الإحلال السكاني، بينما يواصل متوسط العمر المتوقع الارتفاع. هذه المعادلة تفرض ضغوطًا متزايدة على أسواق العمل وأنظمة التقاعد والرعاية الاجتماعية.
يصف إيلخوم خليملزاده، وهو أوزبكي يقيم في فنلندا، هذا التناقض بوضوح. يرى أن نمط الحياة الفردي السائد في أوروبا يجعل تكوين عائلات كبيرة أمرًا صعبًا، مقارنة بما اعتاده في بلاده، حيث لا تزال الروابط الأسرية الواسعة جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية.
اقرأ أيضا.. معركة قضائية عابرة للأطلسي| ترامب يقاضي BBC بتهمة تحريف خطابه





