فرنسا تقترب من انفجار سياسي: تصويت حاسم قد يطيح بحكومة ماكرون ويدفع البلاد نحو انتخابات مبكرة

تشهد فرنسا توترًا سياسيًا متصاعدًا مع اقتراب البرلمان من التصويت على حجب الثقة عن حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون، في جلسة مصيرية تُعقد يوم الخميس، قد تفتح الباب أمام انتخابات تشريعية مبكرة وتضع البلاد في مواجهة أزمة سياسية جديدة.
ووفقًا لتقرير وكالة «أسوشييتد برس»، يواجه رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو اقتراحين متزامنين لحجب الثقة في الجمعية الوطنية، الغرفة الأقوى والأكثر انقسامًا في البرلمان الفرنسي، قد يحددان مصير الحكومة وربما مستقبل ماكرون نفسه.
الاقتراحان قُدما من قِبل أبرز خصوم الرئيس: حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد، وحزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان، ما يعكس حجم الانقسام الأيديولوجي العميق في المشهد السياسي الفرنسي.
وفي حال سقطت حكومة لوكورنو، ألمح ماكرون عبر المتحدثة باسم حكومته إلى أنه قد يلجأ إلى حلّ الجمعية الوطنية بدلًا من تعيين رئيس وزراء جديد، في خطوة من شأنها أن تعيد فرنسا إلى صناديق الاقتراع مجددًا.

من هم الداعون لحجب الثقة ولماذا الآن؟
تعود جذور الأزمة الحالية إلى تصاعد الغضب الشعبي والانقسامات الحزبية منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة في يونيو (حزيران) 2024، والتي أسفرت عن برلمان منقسم بشدة دون أغلبية واضحة.
مارين لوبان، زعيمة حزب «التجمع الوطني»، كانت في مقدمة الداعين إلى إجراء انتخابات جديدة، مدفوعةً باستطلاعات رأي تشير إلى إمكانية تحقيق حزبها مكاسب غير مسبوقة إذا أعيدت الانتخابات، وربما دخول الحكم للمرة الأولى في تاريخه.
قدّمت لوبان، بمشاركة حليفها اليميني إيريك سيوتي، اقتراحها بحجب الثقة صباح الاثنين بعد إعلان سيباستيان لوكورنو تشكيل حكومته الجديدة.
ونصّ الاقتراح على أن «حلّ الجمعية الوطنية هو الوسيلة الأكثر فاعلية وديمقراطية لإخراج البلاد من الطريق المسدود».
وفي المقابل، قدّم حزب «فرنسا الأبية» اليساري اقتراحًا آخر في اليوم نفسه، معتبرًا أن إسقاط حكومة لوكورنو يشكّل خطوة ضرورية لإضعاف الرئيس ماكرون نفسه، الذي أكد أنه لا ينوي إنهاء ولايته الثانية قبل عام 2027.
وجاء في نصّ الاقتراح اليساري: «استقالة أو إقالة إيمانويل ماكرون هما الحلّان الوحيدان لتقديم مخرج ديمقراطي واضح من الفوضى الحالية: العودة إلى صناديق الاقتراع، ليتمكن الشعب من طيّ صفحة الرئاسة السلطوية».

تصويت مصيري بأرقام متقاربة
يتطلب تمرير اقتراح حجب الثقة تصويت 289 نائبًا من أصل 577 في الجمعية الوطنية ضد الحكومة، ما يجعل الفارق بين الكتل البرلمانية عاملًا حاسمًا في تحديد النتيجة.
ومن المقرر أن تبدأ الجلسة صباح الخميس في تمام التاسعة بالتوقيت المحلي، على أن يُصوَّت أولًا على اقتراح حزب «فرنسا الأبية».
لكن التوازنات داخل البرلمان لا تصبّ في مصلحة المعارضة بشكل واضح. فحزب لوبان وحلفاؤه من كتلة «اتحاد اليمين من أجل الجمهورية» يملكون 139 نائبًا، بينما يمتلك حزب «فرنسا الأبية» 71 نائبًا فقط.
وحتى لو تحالف الطرفان رغم خصومتهما الأيديولوجية، فسيحتاجان إلى دعم كتل أخرى للوصول إلى الأغلبية المطلوبة.
وقد أعلنت كتلة يسارية تضم 38 نائبًا، من بينهم الخضر، نيتها التصويت ضد الحكومة، فيما يُتوقع أن ينضم إليها معظم أعضاء الحزب الشيوعي (17 نائبًا).
ومع ذلك، تبقى المعارضة بعيدة عن عتبة 289 صوتًا اللازمة لإسقاط حكومة لوكورنو.
ويُعوِّل المعسكر الموالي لماكرون على امتناع الاشتراكيين (69 نائبًا) والجمهوريين المحافظين (50 نائبًا) عن التصويت ضد الحكومة، وهو ما قد يُنقذها في اللحظة الأخيرة.

تنازلات حكومية لتجنب الانهيار
في محاولة لاحتواء الأزمة، أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو هذا الأسبوع تعليق مشروع تعديل سنّ التقاعد المثير للجدل، الذي كان يقضي برفعه تدريجيًا من 62 إلى 64 عامًا، وهو أحد أبرز مشاريع الإصلاح في الولاية الثانية لماكرون.
وتُعتبر هذه الخطوة محاولة لاسترضاء الشارع الفرنسي وتهدئة القوى السياسية قبل الدخول في نقاشات حاسمة حول موازنة عام 2026، التي تمثل أولوية استراتيجية لثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي.
لكن حتى في حال نجاته من تصويت الخميس، يبقى مستقبل لوكورنو غامضًا، إذ يمكن للنواب إعادة تقديم اقتراحات جديدة لحجب الثقة خلال الأسابيع المقبلة، مع استمرار الجدل حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة.
ووفقًا للباحثة كامي بيدوك من المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا، فإن «الوضع هش للغاية… وفرص بقاء الحكومة محدودة إلى أقصى حد»، ما يشير إلى أن الأزمة السياسية الفرنسية قد لا تنتهي قريبًا، بل ربما تكون في بدايتها فقط.
اقرأ ايضًا…اتفاق غزة في الميزان بين الأمل في السلام وتحديات التنفيذ





