عربية ودولية

فضيحة بيتارام تهز التعليم الكاثوليكي في فرنسا| دعوات متصاعدة لإغلاق المؤسسة وطي صفحة عقود من الانتهاكات

في واحدة من أخطر الفضائح التي عرفها قطاع التعليم الكاثوليكي في فرنسا خلال العقود الأخيرة، تتصاعد الدعوات لإغلاق مؤسسة «نوتر دام دو بيتارام» في إقليم بيارن، بعد كشف سلسلة واسعة من الانتهاكات الجسدية والنفسية والاعتداءات الجنسية التي تعود إلى خمسينيات القرن الماضي.

وتحوّلت القضية إلى أزمة وطنية تهدد سمعة التعليم الكاثوليكي برمته، وسط تضارب في مواقف الهيئات الرسمية والدينية بشأن مستقبل المؤسسة، بين مطالبات عاجلة بالإغلاق وبيانات رسمية تنفي اتخاذ قرار نهائي حتى الآن.

لوموند تكشف: الإغلاق خيار مطروح بقوة

كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن مسؤولين في هيئات إدارة التعليم الكاثوليكي يدرسون بجدية إغلاق مؤسسة بيتارام نهائياً، معتبرين أن استمرار نشاطها أصبح «مستحيلاً أخلاقياً وتربوياً» بعد حجم الفضيحة التي تفجّرت حولها.

وأكد رئيس الاتحاد الوطني لهيئات إدارة التعليم الكاثوليكي، بيار فانسان غيريه، في تصريحات لإذاعة «آر تي إل»، أن اسم بيتارام «لطخ سمعة مجمل التعليم الكاثوليكي» وأنه «يجب إرساله إلى مزبلة التاريخ».

وبحسب غيريه، فإن الإغلاق ينبغي أن يتم قبل حلول الصيف المقبل، مع نقل التلاميذ إلى مؤسسات قريبة، لا سيما في بلدية إيغون المجاورة، من دون خسارة أي تلميذ أو معلم أو موظف.

 

مؤسسة تحولت إلى رمز سلبي

يرى مسؤولون في قطاع التعليم الكاثوليكي أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالإدارة أو بالأشخاص، بل بالمكان نفسه الذي تحوّل إلى «رمز سلبي» لا يمكن أن يحتضن أي مشروع تربوي إيجابي.

وفي محاولة لاحتواء الغضب العام، جرى تغيير اسم المدرسة من «نوتر دام دو بيتارام» إلى «لو بو رامو» (الفرع الجميل)، غير أن هذا الإجراء لم ينجح في محو الأثر النفسي العميق الذي خلّفته الشهادات والوثائق المنشورة.

 

تضارب المواقف: لا قرار رسمي حتى الآن

في المقابل، أكدت رهبنة «آباء بيتارام»، التي كانت تدير المؤسسة، أن قرار الإغلاق «لم يُتخذ بعد» وما يزال قيد المباحثات، مشيرة إلى أن الوصاية الدولية على الرهبنة تستوجب موافقة الفاتيكان.

كما نفت الأمانة العامة للتعليم الكاثوليكي في فرنسا وجود قرار رسمي بإغلاق المدرسة، موضحة في بيان صحفي أن العمل جارٍ «بشكل جماعي على تهيئة جميع الشروط اللازمة لإعادة الثقة والطمأنينة» داخل المؤسسة.

وشددت على أنه «لا يوجد، في هذه المرحلة، أي حديث عن إغلاق المؤسسة»، في تناقض واضح مع تصريحات رئيس الاتحاد الوطني لهيئات إدارة التعليم الكاثوليكي.

غير أن غيريه لوّح باللجوء إلى القضاء في حال تعطّل مشروع الإغلاق، مؤكداً أن التعقيدات القانونية أو الإدارية، سواء في فرنسا أو إيطاليا، «لا ينبغي أن تعرقل خطوة ضرورية أخلاقياً».

نوتر دام دو بيتارام
نوتر دام دو بيتارام

مئات الشكاوى واعتراف رسمي بالمسؤولية

تكمن خطورة القضية في الحجم غير المسبوق للشكاوى المقدمة ضد المؤسسة. فقد أقرت رهبنة بيتارام في مارس/آذار 2025 بمسؤوليتها عن الوقائع المبلغ عنها عبر نحو 250 شكوى فردية، نصفها تقريباً يتعلق باعتداءات ذات طابع جنسي، مؤكدة تعويض جميع الضحايا.

ووفق صحيفة «لوباريزيان»، جرى إيداع ما لا يقل عن 217 شكوى من تلاميذ سابقين، تتعلق بأعمال عنف جسدي ونفسي واعتداءات جنسية تعود إلى خمسينيات القرن الماضي.

كما شهد الصيف الماضي وحده تقديم 17 شكوى جديدة من ضحايا آخرين، في مؤشر على اتساع نطاق القضية وتعقّد تداعياتها القضائية والإنسانية.

 

شهادات صادمة وانهيار الحياة المدرسية

كشفت شهادات الضحايا عن ممارسات قاسية داخل المؤسسة، شملت الضرب والتعذيب والعقوبات المهينة والتحرش والاغتصاب.

وانعكست الفضيحة بشكل مباشر على الحياة اليومية في المدرسة، إذ لم يبق هذا العام سوى خمسة تلاميذ فقط في الصف النهائي لشعبة العلوم، في دلالة واضحة على انهيار الثقة وتراجع الإقبال.

ويرى ممثلو الضحايا أن الإغلاق لم يعد خياراً مطروحاً للنقاش، بل «ضرورة أخلاقية» لإنصاف المتضررين ومنع تكرار هذه الجرائم في المستقبل.

 

اتهامات تطال رئيس الوزراء الحالي

امتدت تداعيات القضية إلى أعلى مستويات السياسة الفرنسية، بعد توجيه اتهامات لفرانسوا بايرو، وزير التعليم في التسعينيات (1993–1997) ورئيس الوزراء الحالي، بتجاهل أولى الشكاوى التي وصلته من داخل المؤسسة.

فرانسوا بايرو
فرانسوا بايرو

ومن بين الشهادات المؤثرة، ما رواه جان ماري ديلبوس، الذي قال إن راهباً في المدرسة اغتصبه بين عامي 1957 و1961، مؤكداً أنه بعث برسالة إلى بايرو في مارس/آذار 2024 من دون أن يتلقى أي رد.

وفي 12 فبراير/شباط 2025، أعاد موقع «ميديا بارت» فتح الملف بنشر وثائق وشهادات تتحدث عن «حالات اغتصاب وعنف جنسي» داخل المدرسة بين سبعينيات القرن الماضي و2010.

ورغم نفي بايرو علمه بهذه الانتهاكات، نشر الموقع لاحقاً وثائق قال إنها «تثبت اطلاعه عليها» عندما كان وزيراً للتعليم، ما دفعه لاحقاً إلى لقاء لجنة الضحايا والتعبير عن تضامنه معهم من دون تقديم اعتذار صريح.

 

مستقبل غامض ومواجهة مع الماضي

تدخل قضية «بيتارام» مرحلة شديدة الحساسية، بين ضغوط الضحايا والرأي العام لإغلاق المؤسسة نهائياً، ومحاولات الهيئات الكنسية كسب الوقت وإعادة ترتيب البيت الداخلي.

وفي بلد لا يزال يواجه إرثاً ثقيلاً من فضائح الاعتداءات داخل المؤسسات الدينية، تمثل هذه القضية اختباراً جديداً لقدرة الكنيسة والدولة على محاسبة الماضي وحماية الأجيال المقبلة.

اقرأ أيضًا:

ملفات مسربة تكشف حملة إسرائيلية استمرت عقدًا| كيف حمت تل أبيب مسؤوليها من ملاحقات جرائم الحرب في بريطانيا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى