عربية ودوليةعاجل

هل انتهى عصر “مناطق النفوذ”؟| قراءة في الطرح الصيني لنموذج الأمن الجماعي

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والحروب المفتوحة حول العالم، يعود إلى الواجهة سؤال محوري في العلاقات الدولية: هل ما زال مفهوم “مناطق النفوذ” قادراً على تفسير توازنات القوى وضبطها، أم أن القرن الحادي والعشرين يتطلب نموذجاً جديداً للأمن العالمي؟

تحليل حديث نشرته صحيفة غلوبال تايمز الصينية، للباحث الروسي أندريه كورتونوف، يطرح رؤية بديلة تدعو إلى تجاوز هذا المفهوم التقليدي لصالح نظام قائم على “الأمن الجماعي”، وهو طرح يتقاطع مع الخطاب الرسمي الصيني الرافض لفكرة الهيمنة وتقسيم العالم إلى دوائر نفوذ مغلقة.

رئيس الصين

جذور مفهوم “مناطق النفوذ”

يعود مفهوم “مناطق النفوذ” إلى مراحل تاريخية استخدمته فيها القوى الكبرى كأداة لفرض السيطرة على الدول الأضعف، من خلال تقييد سيادتها وتوجيه سياساتها الخارجية.

ومع نهاية القرن العشرين، ساد الاعتقاد بأن هذا النموذج في طريقه إلى الزوال، نتيجة العولمة والتشابك الاقتصادي والتكنولوجي بين الدول.

لكن التطورات خلال العقدين الأخيرين أثبتت عكس ذلك؛ إذ عاد المفهوم بصيغ جديدة، غالباً ما تُغلّف بشعارات قانونية أو أخلاقية تبرر التدخلات الدولية، مع الحفاظ على جوهره القائم على توزيع النفوذ.

الموقف الصيني: رفض الهيمنة والتوسع

حرصت الصين، على مستوى الخطاب الرسمي، على النأي بنفسها عن هذا الإرث. ففي “الكتاب الأبيض للدفاع الوطني 2019″، أكدت بكين أنها لن تسعى إلى الهيمنة أو إقامة مناطق نفوذ، معتبرة ذلك جزءاً من هويتها الاستراتيجية.

ويعكس هذا الموقف محاولة لتقديم نموذج مختلف عن القوى التقليدية، يقوم على التعاون بدلاً من السيطرة، وعلى الشراكة بدلاً من التبعية.

كما تناولت كتابات صينية أكاديمية وإعلامية هذا الاتجاه، حيث تم التأكيد على أن تجارب الدول الآسيوية، التي عانت تاريخياً من تقسيمات النفوذ، جعلتها أكثر رفضاً لهذا المنطق.

في المقابل، تنتقد بكين السياسات الأمريكية التي تسعى – وفق هذا الطرح – إلى إعادة إنتاج نظام الكتل والتحالفات، ما يعيد إحياء فكرة مناطق النفوذ ويزيد احتمالات الصدام.

نحو نموذج الأمن الجماعي

ينتقل كورتونوف في تحليله إلى طرح بديل يتمثل في “الأمن الجماعي”، باعتباره إطاراً أكثر ملاءمة للتحديات الحديثة التي لم تعد محصورة جغرافياً.

ويستند هذا النموذج إلى عدة مرتكزات رئيسية:

1. مرونة التشكيل

لا يعتمد الأمن الجماعي على أطر إقليمية ثابتة، بل يمكن أن يتشكل حول قضايا محددة مثل مكافحة الإرهاب أو منع الانتشار النووي.

2. الشمولية

لا يقوم على تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ، ولا يميز بين قوى كبرى ودول أصغر بشكل مؤسسي.

3. غياب العدو المشترك

لا يحتاج إلى “خصم خارجي” لتبرير وجوده، بل يركز على التهديدات المشتركة، بما في ذلك القضايا غير التقليدية مثل الأمن البيئي والذكاء الاصطناعي.

4. العلاقات المتكافئة

يعتمد على التزامات متبادلة بدلاً من علاقات التبعية، ويسعى إلى تقليل الفجوة بين الدول قدر الإمكان.

المبادرة الصينية للأمن العالمي

يتقاطع هذا الطرح مع “مبادرة الأمن العالمي” التي أطلقتها الصين، والتي تدعو إلى:

اعتماد مبدأ الأمن غير القابل للتجزئة

بناء نظام أمني متوازن ومستدام

رفض تحقيق أمن دولة على حساب أخرى

معارضة الأحلاف المغلقة ومناطق النفوذ

وتُقدَّم هذه المبادرة كبديل للنموذج الغربي القائم على التحالفات العسكرية الصلبة، حيث تروج بكين لفكرة الأمن التعاوني بدلاً من المواجهة.

انتقادات غربية وتشكيك في المصداقية

رغم هذا الطرح النظري، يواجه النموذج الصيني انتقادات متزايدة، خاصة فيما يتعلق بسلوك بكين في مناطق مثل بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان.

ويرى منتقدون أن هناك فجوة بين الخطاب والممارسة، حيث تُتهم الصين باتباع سياسات تعكس عملياً منطق النفوذ الذي تعلن رفضه.

كما تتهم بعض الأطراف الغربية الصين بالاستفادة من الأزمات الدولية أو بعدم القيام بدور كافٍ في احتوائها، وهو ما ترفضه بكين وتعتبره ناتجاً عن عقلية تقليدية قائمة على الصراع والهيمنة.

بين النظرية والواقع

يشير كورتونوف إلى أن العالم يضم نحو 200 دولة تختلف في قدراتها وإمكاناتها، وأن القوى الكبرى ستظل تلعب دوراً محورياً في إدارة النظام الدولي.

لكن ذلك – وفقاً لرؤيته – لا يبرر استمرار تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ، حيث تصبح معظم الدول على هامش القرار الدولي.

ويمثل الطرح الصيني لنموذج “الأمن الجماعي” محاولة لإعادة صياغة قواعد النظام الدولي بعيداً عن منطق الهيمنة التقليدي.

ومع ذلك، فإن الانتقال من عالم قائم على “مناطق النفوذ” إلى نظام أمني تشاركي يظل مساراً معقداً وطويلاً، تحكمه توازنات القوة والمصالح الاقتصادية والعسكرية.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى التحدي الحقيقي ليس في صياغة النظريات، بل في مدى قدرة الدول – وعلى رأسها القوى الكبرى – على ترجمة هذه المبادئ إلى سياسات عملية تعزز الأمن والاستقرار العالميين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى