أسطورة الاستقلال تنهار| العمل الحر يفاقم الفقر في إسرائيل

في سوق العمل الإسرائيلي، حيث يُفترض أن يكون العمل الحر بوابة للاستقلال والنجاة من الأزمات، تكشف الأرقام عن قصة مختلفة تمامًا، تقرير اقتصادي حديث يرسم مشهدًا قاتمًا: العمل لحسابك الخاص لم يعد ضمانة للكرامة المعيشية، بل بات طريقًا محفوفًا بخطر الفقر، خاصة حين يكون هذا الدخل هو المصدر الأساسي للأسرة.
القصة تبدأ من أرقام صادمة، تقرير الهستدروت، اتحاد العمال في إسرائيل، يُظهر أن اعتماد الأسرة على دخل العمل الحر يرفع احتمالات الفقر بشكل واضح، أطفال الأسر التي يعيلها عاملون لحسابهم الخاص يدفعون الثمن الأكبر، إذ ترتفع نسبة الفقر بينهم إلى 34.1%، بفارق حاد يصل إلى 10.5 نقاط مئوية مقارنة بأطفال الأسر التي يعيلها موظفون بأجر ثابت.

كلما تعمّق اعتماد الأسرة على الدخل الحر، ازدادت هشاشتها. التقرير، الذي نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، يشير إلى أن أكثر من ربع الأسر التي يرأسها عامل لحسابه الخاص تعيش تحت خط الفقر منذ عام 2024. نسبة الفقر في هذه الفئة ارتفعت خلال عام واحد فقط من 25.7% إلى 26.6%، متجاوزة بشكل لافت معدلات الفقر لدى الأسر التي يقودها موظفون بأجر، والتي تبلغ 22.9%.
العمل الحر يفاقم الفقر في إسرائيل
الأرقام لا تتحدث فقط عن نسب، بل عن واقع يومي هش، فعندما يكون العامل الحر هو المعيل الرئيسي للأسرة، ترتفع مخاطر الفقر بما يتراوح بين خمس وست نقاط مئوية مقارنة بالأسر التي لا تعتمد عليه كمصدر دخل أساسي. ورغم تسجيل تحسن طفيف في مؤشرات عمق وحدة الفقر، فإن الصورة العامة تبقى ثقيلة: الفقر أقل حدّة بقليل، لكنه ما زال واسع الانتشار.
الأخطر أن شبكات الأمان الاجتماعي تبدو أقل فاعلية حين يتعلق الأمر بالعاملين لحسابهم الخاص، فالمدفوعات التحويلية والمنح الحكومية لا تقلّص الفقر في هذه الأسر إلا بنسبة تقارب 30%، مقابل 36% لدى الأسر التي يعيلها موظفون بأجر، فجوة تعكس نظام حماية لا يصل إلى من هم في أمسّ الحاجة إليه.
خلف هذه الأرقام يقف واقع مهني هش، حيث يتركز معظم العاملين لحسابهم الخاص تحت خط الفقر في مشاريع صغيرة جدًا أو أعمال فردية، ضمن قطاعات عالية المخاطر مثل الضيافة وخدمات الطعام، والفنون والترفيه، والتعليم والتدريب. قطاعات لا تحتمل الصدمات، وقد استُنزفت أصلًا خلال جائحة كورونا، ثم جاءت الحرب لتضيف عبئًا جديدًا.
رامي بيجا، رئيس منتدى العاملين لحسابهم الخاص في الهستدروت، لخّص المشهد بعبارات قاسية: «هذا واقع قاتم ومؤلم لا يمكن تجاهله، أن يكون من يُفترض أنهم محرك النمو الاقتصادي هم الأكثر عرضة للفقر، فهذه وصمة عار»، ويضيف أن سنوات الاضطراب المتتالية جعلت العاملين لحسابهم الخاص يشعرون بأنهم غير مرئيين.
برأيه، المشكلة ليست في الجهد أو الإنتاج، بل في غياب الدولة. «شبكة الأمان ببساطة غير موجودة، أو أنها غير كافية»، يقول بيجا، محذرًا من أن سياسات التقشف وتجميد الحقوق تدفع بالمشاريع الصغيرة إلى النزيف، بينما تلوح موازنة جديدة لا تحمل تغييرًا حقيقيًا في الأولويات.
القصة التي يرويها التقرير ليست مجرد أرقام اقتصادية، بل إنذار اجتماعي. فمن دون إعادة تأهيل حقيقية لقطاع العاملين لحسابهم الخاص، لن يكون هناك عمال أقوياء، ومن دونهم، كما يحذّر التقرير، لا يمكن أن يقوم اقتصاد إسرائيلي متماسك.
اقرأ أيضًا.. بكين تضع السلاح خطًا أحمر| تحذير صيني يهدد زيارة ترامب المرتقبة





