ثروات مُهدرة| لماذا تغرق فنزويلا في الفقر رغم أكبر احتياطي عالمي؟

في ليلة ساكنة على سواحل الكاريبي، كان صيّاد فنزويلي يقف وحيدًا أمام البحر، يحدّق في أضواء منصّات النفط المعلقة في البعيد كأنها تذكّره بثروة هائلة ترقد تحت قدميه، بينما هو وشعبه يعيشون فوق ركام من الأزمات، كانت الأمواج تتلاطم عند قدميه، ومع كل موجة كان يتداعى معه حلم جديد من أحلام الملايين في بلد يمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، لكنه يظل غارقًا في الفقر والانهيار، هذه المفارقة الصارخة ثروة مدفونة وفقر ظاهر هي مفتاح فهم لغز النفط الفنزويلي المعقد.
فنزويلا تغرق في الفقر
فنزويلا تملك ما يقرب من 303 مليارات برميل من النفط المؤكد، متفوقة على السعودية وروسيا والولايات المتحدة، ولكن رغم هذا الرقم الضخم، لا تسهم إلا بنسبة 1% فقط من الإنتاج العالمي للنفط، ما يطرح سؤالًا مُلحًا: لماذا تعجز كاراكاس عن استغلال كنزها النفطي؟.

الإجابة تبدأ من نوعية النفط نفسه، فوفقًا لمحللي فورين بوليسي، فإن الخام الفنزويلي ثقيل وكثيف بالكبريت، أقرب إلى الطين منه إلى النفط، ويحتاج إلى عمليات معقدة ومكلفة للاستخراج والمعالجة، ومع انهيار البنية التحتية، وهروب الاستثمارات، وشح المعدات، ووقع العقوبات الدولية، أصبح تشغيل الحقول مهمة شبه مستحيلة.
ورغم هذا التعقيد، يحتفظ النفط الفنزويلي بقيمة استراتيجية خاصة للولايات المتحدة. فمصفاة خليج المكسيك بُنيت أساسًا لمعالجة هذا النوع الثقيل من الخام. ومع تراجع الإنتاج المكسيكي وتعثر وصول النفط الكندي، تصبح فنزويلا خيارًا مهمًا للسوق الأميركية، خاصة إذا تسببت العقوبات على إيران وروسيا في نقص عالمي للنفط الثقيل.

فقر فنزويلا رغم أكبر احتياطي عالمي
لكن السياسة تعيد رسم المشهد. فتهديدات إدارة ترامب، والتحركات العسكرية الأميركية في الكاريبي، ولّدت تساؤلات كثيرة حول دوافع واشنطن، ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن القضية أكبر من النفط: إنها جزء من استراتيجية أوسع لإعادة فرض النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي ومحاصرة الأنظمة المتحالفة مع إرث كاسترو.

ورغم العواصف السياسية والاقتصادية، لا تزال شركات الطاقة الكبرى وفي مقدمتها “شيفرون” ترى في فنزويلا فرصة مستقبلية ضخمة، لكن تحويل الاحتياطي الهائل إلى قوة اقتصادية حقيقية يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، وإصلاحات جذرية في بنية الدولة، وإطارًا سياسيًا وقانونيًا مستقرًا.
اليوم، تقف فنزويلا عند منعطف تاريخي حاسم. فإما أن تظل “عملاقًا نائمًا” فوق أكبر احتياطي نفطي في العالم، أو تستيقظ أخيرًا لتتحول إلى لاعب رئيسي في سوق الطاقة، وحتى يحدث ذلك، يبقى الصياد الفنزويلي يراقب الأضواء البعيدة، على أمل أن يصبح بريقها يومًا ما بداية لنهضة حقيقية تطال الجميع.
اقرأ أيضا.. السموم غير المرئية| فرنسا أمام تحدي أكبر تلوث كيميائي لمياه الشرب





