
في الصباح الباكر، وقبل أن تفتح المقاهي أبوابها، كان هناك شيء مختلف في رائحة القهوة التي اعتاد الناس انتظارها. لم يكن الفرق في مذاق الحبوب، بل في الأخبار التي بدأت تتسلل إلى العالم: أسعار القهوة قفزت قفزة غير مسبوقة، تجاوزت 15% منذ بداية ديسمبر 2025، وبينما يمد عشاق القهوة أيديهم لكوبهم الصباحي، كانت سلاسل التوريد العالمية تتحرك بقلق خلف الكواليس، كأن شيئًا ثقيلًا يضغط على حقول البن الممتدة في البرازيل وكولومبيا.
أزمة في فنجان القهوة
في إحدى مزارع “ميناس جيرايس” بالبرازيل، كان المزارع روبيرتو يجلس تحت شجرة أرابيكا عجوز، يعدّل قبّعته ويحدّق في حبات البن المتناثرة بين الأغصان. هذا الموسم مختلف، يقول روبيرتو، فالإنتاج الكلي ما زال قويًا، وقد يصل إلى 65 مليون كيس، لكن الأرابيكا الحبة الفاخرة التي يعشقها العالم تتراجع.

الروبوستا تزداد قليلًا، نعم، لكن العالم يريد الأرابيكا، يريد تلك النكهة الناعمة التي لا تُعوّض. كان روبيرتو يدرك أن النقص سيشعل الأسعار، لكنه لم يدرك أن الأخبار ستصل بهذه السرعة إلى شاشات المتداولين في بورصة ICE العالمية، حيث تهاوت المخزونات ودقّت الأسعار أبوابًا جديدة.
على الجانب الآخر من القارة، في جبال كولومبيا الخضراء، كان خوان، مزارع شاب ورث مزرعته عن والده، يراقب زرعه كما يراقب مريضًا يتقلب بين حرارة وبرودة. العام الماضي أعطاهم موسمًا قياسيًا، لكن هذا العام بدا وكأنه يحمل ندمًا ثقيلًا، وتراجع إنتاج الأرابيكا هنا أيضًا، ومعه تراجعت آمال كثيرة، وزادت الضغوط على السوق العالمية التي تعتمد على كل حبة تخرج من هذه الجبال الضبابية.
ماذا يحدث خلف رائحة القهوة؟!
لم يكن الأمر مجرد أرقام في تقارير اقتصادية؛ كان قصة تتقاطع فيها حياة المزارعين والمستهلكين والمستثمرين في وقت واحد. فمع ارتفاع الأسعار، وجد بعض المزارعين أنفسهم في لحظة ذهبية قد تحقق لهم أرباحًا أكبر، بينما ظل آخرون يعانون من تقلبات الطقس والجفاف المفاجئ والفيضانات العابرة، أما المستهلكون، فكانوا الحلقة الأخيرة في السلسلة، لكنهم الأكثر صدمة. تقارير الاتحاد العالمي للقهوة تتحدث عن زيادات بين 10 و20% في المقاهي ومتاجر التجزئة خلال شهر واحد فقط.

ومع كل هذا، تتكشف الحقيقة الأكبر: هشاشة سلسلة التوريد العالمية. فكل كوب قهوة يبدأ من حبة صغيرة تتأثر بالمطر والرياح، تمر عبر تجار ومصدرين وأسواق عالمية، ثم تنتهي بين يدي شخص يستقبل بها يومه، وبينما ترتفع الأسعار وتشتد الأزمات، يبدو أن العالم بحاجة إلى حلول أكثر استدامة، لا لحماية القهوة فقط، بل لحماية أولئك الذين يقفون خلف كل رشفة منها.





