
في نبرة حازمة لا تخلو من التحذير، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جرس إنذار جديدًا في وجه أوروبا، محذرًا من أن تراجع التوترات مع واشنطن لا يعني نهاية الضغوط الأمريكية، بل قد يكون مجرد هدنة مؤقتة في مسار «ترهيب» يتكرر كلما اقتضت المصالح.
ماكرون يقرع جرس الإنذار
وخلال مقابلة مع عدد من وسائل الإعلام الأوروبية، بينها صحيفة لوموند، شدد ماكرون على أن التهديدات الأمريكية «لم تختفِ»، محذرًا القادة الأوروبيين من الوقوع في وهم الاستقرار الدائم، أو الاستسلام لحالة ارتياح وصفها بغير المبررة.
وأوضح الرئيس الفرنسي أن واشنطن تعود بشكل دوري لاستخدام أدوات الضغط، لا سيما ضد قطاعات أوروبية حساسة مثل الأدوية والتكنولوجيا الرقمية، معتبرًا أن التراجع عن المواجهة أو البحث عن تسويات سريعة لا يشكل حلًا، بل يؤدي على المدى الاستراتيجي إلى تعميق تبعية أوروبا وتقويض استقلالها.
وبلهجة مباشرة، رفض ماكرون فكرة الانحناء أمام الضغوط، مؤكدًا أن الرد الفعّال لا يكون بالتنازلات، بل بتوحيد الموقف الأوروبي في مواجهة ما وصفه بـ«عدوان صريح» يهدد القاعدة الصناعية للقارة.
وفي هذا السياق، دعا ماكرون إلى تبني سياسة «التفضيل الأوروبي» كخيار دفاعي ذكي، يوازن بين حماية الصناعة وتجنب الانزلاق إلى حمائية شاملة، سياسة تقوم على تبسيط وتعميق السوق الأوروبية الموحدة، وتنويع الشراكات التجارية، وتوجيه الدعم نحو المنتجات والصناعات الأوروبية.
وحذر من أن قطاعات استراتيجية مثل التكنولوجيا النظيفة، والكيماويات، والصلب، وصناعة السيارات، والدفاع، باتت تحت ضغط تنافسي متزايد من الولايات المتحدة والصين، مشددًا على أن التقاعس عن التحرك سيؤدي إلى تهميش أوروبا في الاقتصاد العالمي.

وعلى صعيد التمويل، أعاد ماكرون طرح أحد أكثر ملفاته إثارة للجدل: الدين الأوروبي المشترك. ودعا إلى إنشاء آلية اقتراض موحدة لتمويل استثمارات المستقبل، عبر إصدار «سندات يورو موجهة للمستقبل»، موضحًا أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى نحو 1.2 تريليون يورو سنويًا لتمويل التحول الأخضر والرقمي، إلى جانب متطلبات الدفاع والأمن.
الترهيب الأمريكي لم ينتهِ
أما في المجال الدفاعي، فشدد الرئيس الفرنسي على ضرورة المضي قدمًا في مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي (SCAF) لتطوير مقاتلة أوروبية موحدة، رغم الخلافات بين الشركات الفرنسية والألمانية. وأكد أن النزاعات الصناعية لا يجب أن تتحول إلى عائق أمام المشاريع الاستراتيجية الكبرى.
وكشف ماكرون أنه سيناقش هذا الملف قريبًا مع المستشار الألماني فريدريش ميرز، محذرًا من أن التشكيك في مشروع الطائرة المشتركة قد يمتد أثره السلبي إلى مشاريع دفاعية أوروبية أخرى، من بينها مشروع دبابة القتال الرئيسية.
بهذا الخطاب، يضع ماكرون أوروبا أمام خيار واضح: إما التحرك لحماية سيادتها الاقتصادية والصناعية، أو القبول بدور ثانوي في عالم تتصاعد فيه حروب النفوذ بلا هوادة.




