
تحت عنوان لافت، «انتهاء مرحلة عدم التدخل التي انتهجها الحزب الجمهوري»، رسمت شبكة CNN ملامح تحوّل عميق في المزاج السياسي الأمريكي، مع تراجع واضح لنهج العزوف عن التدخل العسكري الذي ارتبط طويلًا بالرئيس الجمهوري دونالد ترامب، وبروز نزعة أكثر صدامية باتت تطغى على خطابه وخياراته.
نهاية سياسة عدم التدخل.. ماذا يحدث في أمريكا
العالم، بحسب الشبكة، لا يزال يترقّب الخطوة التالية: هل يمضي ترامب فعلًا في تهديداته ويوجّه ضربة عسكرية إلى إيران؟ ورغم غياب القرار النهائي، فإن مجرد إبقاء خيار القوة العسكرية مطروحًا يمثّل تصعيدًا خطيرًا، حتى بمعايير رئيس اشتهر سابقًا بتجنّب الحروب المباشرة، لكنه يبدو اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى تبنّي الحلول العسكرية.

هذا التحوّل لم يعد مقتصرًا على الخطاب الرئاسي، بل انعكس بوضوح داخل القاعدة الجمهورية نفسها، فقد كشفت نتائج استطلاع رأي أجرته كلية ماريست، ونقلته CNN، عن استعداد لافت لدى الجمهوريين لدعم «العمل العسكري» في عدد من المناطق حول العالم، تمتد عبر ثلاث قارات.
الاستطلاع طرح على الأمريكيين سيناريوهات افتراضية تتعلق باستخدام القوة العسكرية في خمس مناطق: إيران، فنزويلا، المكسيك، كوبا، وجرينلاند. وكانت النتيجة صادمة: أغلبية الجمهوريين أبدوا تأييدهم للتدخل العسكري في جميع هذه المواقع، باستثناء جرينلاند التي بقي التأييد فيها أضعف نسبيًا.
الجمهوريون يفتحون باب الحرب
وجاءت فنزويلا في صدارة الدول التي حظيت بأعلى نسبة تأييد بين الجمهوريين، تليها إيران، ثم المكسيك وكوبا، بينما بقيت جرينلاند في ذيل القائمة، وترى الشبكة أن دلالة هذه الأرقام لا تكمن في النسب وحدها، بل في اتساع الجغرافيا المستهدفة، إذ إن ثلاثة أرباع الجمهوريين تقريبًا لا يمانعون إرسال قوات عسكرية إلى دول في مناطق بعيدة، من الشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية، وصولًا إلى الجوار المباشر للولايات المتحدة.
في المقابل، بدا المشهد مختلفًا تمامًا لدى الفئات الأخرى. فالمستقلون أظهروا حذرًا أكبر، إذ تراوحت نسب تأييدهم بين مستويات محدودة، بينما جاء رفض الديمقراطيين شبه جماعي، مع تأييد ضعيف للغاية لأي تدخل عسكري في تلك السيناريوهات.

تحاول CNN تفسير هذا التحول بالإشارة إلى العامل الأبرز: تأثير ترامب على قاعدته السياسية. فالرئيس الجمهوري لوّح خلال الأسابيع الأخيرة بإمكانية التدخل العسكري في جميع هذه الملفات تقريبًا، ما جعل مؤيديه أقل استعدادًا لمعارضة هذه الطروحات بشكل صريح، حتى وإن لم يقدّموا دعمًا مطلقًا لها.
وتلفت الشبكة إلى نقطة دقيقة: أغلبية الجمهوريين لا تؤيد هذه السيناريوهات «بقوة»، بل تمنحها تأييدًا مشروطًا، ما يعكس ترددًا كامنًا خلف الحماسة الظاهرة. كما أن مصطلح «العمل العسكري» نفسه ظل غامضًا في الاستطلاع، دون تحديد ما إذا كان المقصود ضربات محدودة، أو عمليات أوسع، أو تدخلًا مباشرًا طويل الأمد.
هذا الغموض، بحسب التحليل، يفتح الباب أمام تأويلات متعددة، ويُضعف دقة قراءة المواقف، خاصة في ملفات حساسة مثل جرينلاند، التي أظهرت استطلاعات سابقة رفضًا أوسع لفكرة الاستيلاء عليها بالقوة.
في المحصلة، ترى CNN أن ما يحدث ليس مجرد تبدّل في استطلاع رأي، بل مؤشر على تحوّل أعمق في هوية الحزب الجمهوري، من حزب رفع شعار «لا للحروب الخارجية»، إلى قاعدة سياسية باتت أكثر تقبلًا لفكرة القوة العسكرية كأداة أساسية في السياسة الخارجية، بانتظار القرار النهائي الذي قد ينقل هذه السيناريوهات من خانة الاستطلاع… إلى أرض الواقع.



