عربية ودولية

هل يختبر بوتين تماسك الناتو في 2026؟| نارفا الإستونية بؤرة توتر محتملة خارج أوكرانيا

وسط تصاعد المخاوف الأوروبية من مرحلة ما بعد الحرب في أوكرانيا، تتزايد التحذيرات من أن الكرملين قد لا يكتفي بما حققه حتى الآن، بل ربما يسعى لاختبار حدود حلف شمال الأطلسي (الناتو) خارج الأراضي الأوكرانية، ويرى خبراء أن أي تراجع مؤقت في وتيرة القتال قد يمنح موسكو فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، تمهيدًا لتحركات أكثر جرأة خلال عام 2026.

وفي هذا السياق، تبرز مدينة نارفا، الواقعة على الحدود الشرقية لإستونيا، كنقطة اشتعال محتملة قد تضع الناتو أمام اختبار غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة.

روسيا في مواجهة الناتو

2026.. عام بوتين الحاسم؟

بحسب تحليلات نقلتها صحيفة «ذا صن» البريطانية، يعتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن عام 2026 يمثل لحظة مفصلية في مسيرته السياسية والعسكرية. ويرجّح خبراء أن يلجأ الكرملين إلى وقف مؤقت للقتال في أوكرانيا، ليس باعتباره نهاية للحرب، بل كاستراحة استراتيجية لإعادة تنظيم القوات وتعزيز القدرات العسكرية.

ويحذّر محللون من أن بوتين قد يسوّق أي تسوية محتملة داخليًا على أنها نصر تاريخي، مستفيدًا من إنهاك أوكرانيا، وتردد بعض العواصم الأوروبية، والانقسامات داخل المعسكر الغربي.

 

تصعيد خارج أوكرانيا.. سيناريو مطروح

يرى دبلوماسيون سابقون وخبراء أمنيون أن بوتين قد يسعى بعد أي هدنة إلى توسيع رقعة الضغط الجيوسياسي، عبر خطوات محسوبة تهدف إلى:

بث القلق داخل حلف الناتو

اختبار مصداقية الضمانات الأمنية الغربية

شق الصف الأوروبي

ترسيخ إرثه السياسي كزعيم أعاد رسم خريطة النفوذ الروسي

ويقول تيم ويلسي، الدبلوماسي السابق والباحث في كلية كينغز كوليدج بلندن، إن المعطيات الحالية تصب في صالح موسكو، مضيفًا:  «أوروبا تكافح لتأمين التمويل والوحدة، وأوكرانيا تصارع للبقاء، بينما يبدو بوتين أكثر ثقة من أي وقت مضى… 2026 قد يكون عامًا جيدًا له».

ما بعد الحرب: مخاوف من جبهات جديدة

يحذر ويلسي من أن أي اتفاق لا يعالج جذور الصراع سيمنح روسيا مساحة لإعادة التسليح والانقضاض مجددًا. وفي هذا الإطار، تبرز عدة ساحات محتملة:

جورجيا: التي يعتبرها عمليًا ضمن دائرة النفوذ الروسي

مولدوفا: دولة هشة أمنيًا وسياسيًا

أطراف أوكرانيا نفسها، عبر عمليات “قضم تدريجي” لاختبار قوة الضمانات الغربية

لكن الخطر الأكبر، بحسب التحليلات، قد يتمثل في الانتقال إلى أراضي الناتو نفسها.

 

نارفا.. المدينة التي قد تهز الناتو

تُعد مدينة نارفا الإستونية، ذات الأغلبية الناطقة بالروسية، أكثر النقاط حساسية في هذا المشهد. إذ يشكّل ذوو الأصول الروسية نحو 80% من سكانها، ويتحدث ما يقرب من 97% منهم اللغة الروسية، مع وجود روابط عائلية واجتماعية عميقة عبر الحدود مع روسيا.

ويطرح ويلسي سؤالًا صادمًا:

«هل يمكن الجزم بأن الولايات المتحدة ستدخل حربًا شاملة دفاعًا عن مدينة واحدة في إستونيا؟ لم يعد الجواب واضحًا كما كان».

 

لماذا نارفا مهمة استراتيجيًا؟

تشير تحليلات مراكز أبحاث مثل «تشاتام هاوس» إلى أن نارفا تمثل:

أحد أقصى حدود الاتحاد الأوروبي شرقًا

نقطة تماس مباشرة بين الناتو وروسيا

مدينة لها تاريخ معقّد مع موسكو

تقع نارفا على نهر يفصلها عن مدينة إيفانغورود الروسية، وكانتا مدينتين موحدتين خلال الحقبة القيصرية والسوفياتية، قبل أن تنفصلا عقب استقلال إستونيا.

وتفاقمت المخاوف بعد أن صرّح بوتين عام 2022 بأن نارفا «أرض روسية تاريخيًا»، ما اعتُبر إشارة مقلقة إلى نوايا مستقبلية.

التركيبة السكانية.. عامل الخطر الأكبر

رغم أن إستونيا تُعد من أكثر الدول دعمًا لأوكرانيا عسكريًا نسبةً إلى ناتجها المحلي، فإن الوضع في نارفا يختلف. فالعقود الطويلة من الحكم السوفياتي تركت إرثًا ثقافيًا ولغويًا لا يزال حاضرًا بقوة.

وفي تسعينيات القرن الماضي، صوّتت المدينة ومناطق مجاورة في استفتاء غير رسمي لصالح الحكم الذاتي، وهي خطوة رفضتها تالين واعتبرتها غير دستورية، وسط اتهامات لموسكو بتشجيعها سرًا.

 

هل تمنع الضمانات الأمنية السيناريو الأسوأ؟

يرى آلان ميندوزا، الباحث في «جمعية هنري جاكسون»، أن مستقبل المنطقة يعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة أي اتفاق سلام محتمل في أوكرانيا، قائلًا:

«إذا كانت هناك ضمانات أمنية قوية ومدعومة بوضوح من واشنطن، فقد يتراجع بوتين مؤقتًا، أما إذا كانت الصفقة ضعيفة فسيواصل التوغلات الساخنة».

اقرأ أيضًا:

مظاهرات واسعة في الدنمارك وغرينلاند احتجاجاً على خطط ترامب لضم الجزيرة

رسالة الكرملين: المعركة لم تنتهِ

في خطابه نهاية العام الماضي، أكد بوتين أن المبادرة الاستراتيجية باتت بيد القوات الروسية، مشددًا على أنها تتقدم على طول خط التماس. وفي الوقت نفسه، يصوّر كييف كطرف يعرقل السلام، بينما يقدّم موسكو كقوة «مستعدة للتفاوض» وفق شروطها.

ويرى محللون أن عام 2026 قد يشهد محاولة روسية لتحويل هذا الزخم العسكري والسياسي إلى تسوية تُكرّس مكاسب الكرملين، قبل استغلال أي هدنة للتحضير لمرحلة أكثر خطورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى