واشنطن تبحث خيار التدخل العسكري في فنزويلا| تصعيد متسارع يربك المشهد السياسي الأميركي واللاتيني

تشهد الولايات المتحدة نقاشاً داخلياً محتدماً حول مستقبل سياسة إدارة الرئيس دونالد ترمب تجاه أميركا اللاتينية، بعد تقارير أميركية واسعة تحدثت عن مداولات متقدمة داخل البيت الأبيض بشأن احتمال تنفيذ عملية عسكرية ضد فنزويلا، وسط حشد عسكري غير مسبوق في البحر الكاريبي منذ نهاية الثمانينيات.
اجتماعات رفيعة في البيت الأبيض وخيارات عسكرية قيد الدراسة
ووفق صحيفة واشنطن بوست ووسائل إعلام أخرى، عاد وزير الحرب بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين إلى البيت الأبيض ليوم ثانٍ على التوالي، للمشاركة في اجتماعات أمنية عالية المستوى حضرها نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ونائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر.

وبحسب مصادر مطلعة، ناقشت الاجتماعات «طيفاً واسعاً من الخيارات العسكرية»، دون أن يتضح ما إذا كان ترمب قد اتخذ قراراً نهائياً.
عملية محتملة ستغيّر نهج ترمب
ويرى مراقبون أن أي ضربة عسكرية داخل فنزويلا ستكون تحولاً جذرياً في نهج ترمب الذي وعد في حملته بعدم إرسال القوات الأميركية إلى صراعات جديدة. كما أن هذه الخطوة ستثير هزة سياسية داخل الولايات المتحدة وخارجها، خاصة بعد الجدل الواسع حول الضربات الأميركية الأخيرة ضد «قوارب المخدرات» في الكاريبي والهادئ، التي أسفرت عن مقتل العشرات من المشتبه بهم.
على الأرض، تتزايد المؤشرات على استعدادات ميدانية كبيرة. فقد وصلت حاملة الطائرات جيرالد فورد إلى المنطقة محملة بأكثر من 75 طائرة مقاتلة ونحو 5 آلاف جندي، فيما تنتشر أكثر من 12 سفينة حربية في الكاريبي، في أكبر استعراض للقوة الأميركية في المنطقة منذ عام 1989.
مصادر أميركية كشفت كذلك أن طيارين من الحاملة فورد بدأوا دراسة منظومات الدفاع الجوي لـ فنزويلا، رغم عدم صدور أوامر تنفيذية حتى الآن. وفي المقابل، أعلنت كاراكاس تعبئة 200 ألف عنصر من قواتها الجوية والبرية والبحرية، استعداداً لـ«الدفاع عن البلاد».
وتعمل الإدارة الأميركية أيضاً على تقييم دور وحدات العمليات الخاصة، بما فيها «دلتا فورس»، في حال احتاجت العملية إلى «قدرات دقيقة لاعتقال أو تحييد أهداف عالية القيمة».

مذكرة قانونية سرية تفجّر الجدل واتهامات بـ”توسيع غير مسبوق” للصلاحيات
أثار كشف وول ستريت جورنال عن وجود مذكرة سرية من مكتب المستشار القانوني في وزارة العدل ضجة كبيرة، بعدما كشفت أن الإدارة تربط بين مادة الفنتانيل و«أسلحة كيميائية» لتبرير استخدام القوة ضد شبكات المخدرات.
ورغم تأكيد الوزارة أن هذا الربط «غير أساسي» في الاستدلال القانوني، إلا أن إدراجه في وثيقة رسمية أثار انتقادات واسعة، خصوصاً أن فنزويلا لا تنتج الفنتانيل ولا تعد مركزاً رئيسياً لتهريبه.
وبحسب مشرعين اطّلعوا على المذكرة، تعتمد الإدارة على تصنيف «الكارتيلات» كـ«منظمات إرهابية أجنبية» لتبرير الهجمات البحرية، إضافة إلى مبدأ «الدفاع الجماعي» بزعم حماية دول مثل كولومبيا والمكسيك من العنف المرتبط بتجارة المخدرات.
خبراء قانونيون وصفوا المذكرة بأنها «أكبر توسع غير مسبوق» في قوانين مكافحة الإرهاب، فيما قال السيناتور الديمقراطي كريس فان هولين إنها «محاولة لإضفاء الشرعية على قرارات اتُّخذت مسبقاً».
معارضة أميركية داخلية وتصدع في علاقة واشنطن مع حلفائها
أظهرت نتائج استطلاع «رويترز/إبسوس» أن 51% من الأميركيين يعارضون الضربات التي تنفذها الإدارة ضد قوارب المخدرات، مقابل 29% فقط يؤيدونها.
كما لم تتجاوز نسبة التأييد لتدخل عسكري يطيح برئيس فنزويلا نيكولاس مادورو 21% فقط.
أعضاء في لجان القوات المسلحة بالكونغرس كشفوا أنهم تلقوا قبل أسابيع تأكيدات رسمية بأنه لا توجد خطط لعمليات عسكرية داخل فنزويلا.
أما داخل الحزب الجمهوري، فلا يبدو الدعم موحداً. إذ عبّر السيناتور الجمهوري تود يونغ عن قلقه من «الافتراضات التي تبني عليها الإدارة قراراتها»، مؤكداً أن المزاج العام يميل إلى «تقليل الانخراط العسكري في الخارج».
كولومبيا والمكسيك تعلنان اعتراضهما
إقليمياً، تسببت العمليات الأميركية في توتر العلاقات مع حلفائها الأكثر قرباً، وأعلنت كولومبيا وقف تعاونها الاستخباراتي مع واشنطن قبل أن تتراجع، أما المكسيك اعترضت على ضربة وقعت على بُعد 400 ميل فقط من مدينة أكابولكو، وأكدت رئيستها كلوديا شينباوم أن بلادها «لا توافق» على الهجمات.
مادورو يناور وترمب يلتزم بـ«الغموض الاستراتيجي»
في كاراكاس، حاول الرئيس نيكولاس مادورو بثّ رسائل طمأنة، معلناً رغبته في «السلام»، لكنه رفع درجة التأهب العسكري، واتهم واشنطن بشن «حملة أكاذيب» لتهيئة الرأي العام لتدخل خارجي.

أما الرئيس ترمب، فاختار الاستمرار في سياسة الغموض الاستراتيجي. فحين سئل عن نوايا إدارته، قال بكلمات مقتضبة: «لا أستطيع أن أخبركم بما سيكون عليه الأمر، لكنني حسمت أمري إلى حدّ ما».
وهو تصريح يراه محللون بمثابة إشارة لاحتمال اتخاذ قرار قريب، لكنه أيضاً يعكس أسلوب ترمب القائم على التهديد من دون التزام واضح.
اقرأ أيضًا:
وسط توتر متصاعد بين فنزويلا والولايات المتحدة مادورو يمد يده بالسلام لترامب
اختبار دقيق للرئيس الأميركي
بين الجدل القانوني، والانقسام الحاد داخل الكونغرس، والتوتر المتنامي مع دول إقليمية، يجد الرئيس ترمب نفسه أمام معادلة معقدة:
المضي في عملية عسكرية محفوفة بالمخاطر، أو الاكتفاء بمواصلة الضربات البحرية المحدودة ضد شبكات المخدرات.
ويرى الخبراء أن نتيجة هذا الملف قد تعيد تشكيل سياسة واشنطن في أميركا اللاتينية لسنوات قادمة، وتحدد مستقبل العلاقة المتوترة مع فنزويلا ونظام مادورو.




