من قلب واشنطن إلى الولايات.. وزارة الزراعة تطوي صفحة «المبنى الجنوبي»

أمام المبنى الجنوبي العتيق لوزارة الزراعة الأمريكية في واشنطن، بدا المشهد وكأنه فصل أخير في قصة امتدت لعقود. المبنى الذي شُيّد في ثلاثينيات القرن الماضي، وكان يوماً ما يعجّ بالباحثين والخبراء وصنّاع السياسات، يقف اليوم هادئاً، تحيط به ذكريات زمن كانت فيه مكاتبه تضج بالحياة.
أعلنت وزيرة الزراعة بروك رولينز من أمام الواجهة الحجرية للمبنى أن الوزارة قررت إخلاء المقر وطرحه للبيع عبر إدارة الخدمات العامة الأمريكية، في خطوة وصفتها بأنها جزء من خطة أوسع لخفض التكاليف وتحسين كفاءة التشغيل.
وقالت إن المبنى الذي كان “قلب الوزارة النابض” أصبح اليوم يعمل بنسبة إشغال لا تتجاوز 20%، بينما تتراكم عليه تكاليف صيانة مؤجلة تُقدّر بـ1.6 مليار دولار.
وزارة الزراعة تطوي صفحة «المبنى الجنوبي»
خلال العام الماضي، غادر آلاف الموظفين الوزارة بعد قبولهم عروض شراء خدماتهم، في سياق إعادة هيكلة أوسع شهدتها الحكومة الفيدرالية خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كانت تلك السياسة جزءاً من رؤية تستهدف تقليص حجم الجهاز الحكومي وخفض الإنفاق، عبر إعادة توزيع الموظفين، وتشجيع الاستقالات الطوعية، وتقليص المقرات الإدارية.
قرار بيع المبنى الجنوبي جاء متزامناً مع هذه التحولات، فالمكاتب التي كانت تعج بالخبراء في مجالات الزراعة والأمن الغذائي والتنمية الريفية، أصبحت اليوم شبه خالية، فيما انتقل العمل تدريجياً إلى ولايات أخرى. وأعلنت الوزارة أن عدداً كبيراً من الموظفين المتبقين في العاصمة سينتقلون إلى مراكز جديدة في نورث كارولاينا وميزوري وإنديانا وكولورادو ويوتا، في محاولة لإعادة توزيع الموارد وتقليل التكاليف الثابتة.
التحول يعكس تغيراً أعمق في فلسفة إدارة العمل الحكومي؛ من مركزية واشنطن إلى انتشار جغرافي أوسع، ومن مبانٍ تاريخية شاهقة إلى مساحات عمل أقل كلفة وأكثر مرونة، وبينما يرى مؤيدو القرار أنه خطوة ضرورية لمعالجة الهدر المالي وتحسين الكفاءة، يعتبره آخرون نهاية رمزية لمرحلة تاريخية كانت فيها الوزارة حاضرة بقوة في قلب العاصمة.
وهكذا، لا يُغلق باب مبنى فحسب، بل يُطوى فصل كامل من تاريخ وزارة لعبت دوراً محورياً في رسم سياسات الزراعة الأمريكية لعقود. وبين جدرانه التي ستنتظر مشترياً جديداً، تبقى حكايات الباحثين والموظفين شاهدة على زمنٍ كان فيه المكان أكثر من مجرد مكاتب… كان مؤسسة نابضة بالحياة.





