سيرة زليخة في التاريخ.. معبودة يوسف التي ألهمت الصوفية الحب الإلهي

سيرة زليخة، أو كما تُعرف بامرأة العزيز واحدة من أكثر السير التاريخية المثيرة للجدل، خاصة فيما يخص ذكر اسم “زليخة” فنحن لا نعرف اسمها الحقيقي، حيث يُقال بأن “زليخة” لقب وليس اسم امرأة العزيز المذكورة بالقرآن.
والأمر الأكثر إثارة للجدل، هو هل تزوج النبي يوسف الصديق من زليخة، بعد الأسطورة الشهيرة التي تقول بأن النبي رد عليها شبابها وبصرها الذي فقدته من شدة البكاء على فراقه؟
في الواقع، لم يؤكد القرآن أو التفسيرات على تكملة القصة القرآنية والتوراة هي المصدر الوحيد الذي أكد زواج زليخة من النبي يوسف، وتقول بأنها أنجبت ولدين بعد زواجها وهم (إفرايم ومنشا). ولكنها رواية غير مؤكدة.
سيرة زليخة في القرآن الكريم والتوراة
ذُكرت زليخة في القصص الدينية والتاريخية، وخاصة في القرآن الكريم والتوراة. في القرآن، ورد ذكرها في قصة يوسف عليه السلام في سورة يوسف، حيث كانت زوجة العزيز، التي حاولت إغواء يوسف. وفي الكتاب المقدس (التوراة)، هي أيضًا زوجة الفتي المصري (التي يُعتقد أنها كانت زوجة بوتيفار)، وظهرت في سفر التكوين في سياق قصة يوسف.
ومن ناحية تاريخية، تُعتبر زليخة من الشخصيات التي أثارت العديد من النقاشات حول مواقفها ودورها في تلك القصة، ورغم أن المصادر التاريخية العربية والإسلامية لم تذكرها بتفاصيل دقيقة خارج السياق الديني، فإن هناك بعض الروايات التي تعنى بتفسير دورها في القصة وتعدد التفسيرات حول نواياها وتصرفاتها.

وبعض المصادر الإسلامية تذكرها بشكل خاص في الأحاديث والتفاسير حول قصة يوسف، حيث يُحكى أن زليخة تابَت عن فعلتها بعد أن أظهرت براءته، في حين أن بعض القصص الشعبية أسهمت في خلق سرد حول شخصيتها وأحداثها.
ماهي الآيات التي ذكرت بها زليخة في التوراة
في التوراة، لم يُذكر اسم “زليخة” بشكل صريح. بل تُشار إليها ببساطة كزوجة “بوتيفار” (رئيس شرطة فرعون)، في سياق قصة يوسف عليه السلام. والقصة وردت في سفر التكوين (الإصحاح 39)، حيث تُروى تفاصيل محاولة إغوائها ليوسف.
أهم الفقرات التي تتعلق بالقصة:
تكوين 39:7
“وحدث بعد هذه الأمور أن امرأة سيده رفعت عينيها إلى يوسف وقالت: اضطجع معي.”
تكوين 39:10
“وكان إذ كلمت يوسف يومًا فيومًا أنه لم يسمع لها أن يضطجع بجانبها ليكون معها.”
تكوين 39:12
“فأمسكته بثوبه قائلة: اضطجع معي. فترك ثوبه في يدها وهرب وخرج إلى خارج.”
تكوين 39:14
“فنادت أهل بيتها وكلمتهم قائلة: انظروا! قد جاء إلينا برجل عبراني ليداعبنا. دخل إليّ ليضطجع معي، فصرخت بصوت عظيم.”
تكوين 39:20
“فأخذ سيد يوسف ووضعه في بيت السجن، المكان الذي كان أسرى الملك محبوسين فيه.”
الفرق بين القرآن والتوراة:
في التوراة، لا يُذكر اسم زوجة بوتيفار (زليخة)، بينما يُركز النص على القصة نفسها. وفي القرآن الكريم، وردت القصة بتفصيل أوسع في سورة يوسف، مع إبراز توبتها في نهاية القصة، ولكن أيضًا دون ذكر اسمها. واسم “زليخة” جاء من الروايات الإسلامية والتفاسير.

أين ذكر اسم زليخة في الروايات الإسلامية والتفاسير
اسم “زليخة” لم يُذكر في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية الصحيحة، بل ورد في بعض الروايات الإسلامية والتفاسير التي تناولت قصة يوسف عليه السلام. وهذه الروايات تستند غالبًا إلى القصص المتداولة أو الإسرائيليات (أي ما أُخذ من التراث اليهودي والمسيحي).
واسم “زليخة” أُضيف كتعريف لزوجة العزيز في هذه السياقات، وأصبح شائعًا في الأدب الإسلامي والقصص الشعبي.
كتب التفسير:
تفسير الطبري: تناول قصة امرأة العزيز عند تفسير آيات سورة يوسف، مع الإشارة إلى اسمها وفقًا لبعض الروايات المنقولة عن أهل الكتاب.
تفسير القرطبي: أشار إلى اسمها “زليخة” عند تفسير القصة، لكنه أوضح أن هذا الاسم مأخوذ من الروايات غير المؤكدة.
كتب التاريخ الإسلامي:
في كتابات ابن كثير، خاصة في “قصص الأنبياء”، ذُكر اسم زليخة كزوجة العزيز ضمن سياق القصة.
بعض الروايات تشير إلى أنها تابت لاحقًا وآمنت بنبوة يوسف، وأنها تزوجته في النهاية، وهو ما يُعتبر من الإضافات القصصية وليس جزءًا من النصوص الموثوقة.
الأدب الصوفي والقصص الشعبي:
اسم “زليخة” اشتهر في القصص الصوفية والشعبية التي تناولت قصة يوسف، حيث كانت القصة تُروى برمزية وحبكة درامية.
بعض الأعمال الشعرية الصوفية، مثل كتابات جلال الدين الرومي، أشارت إلى العلاقة بين يوسف وزليخة كنموذج للحب الروحي.

ما هي أبرز أعمال جلال الدين الرومي عن زليخة
جلال الدين الرومي، الشاعر والفيلسوف الصوفي الشهير، تناول قصة يوسف وزليخة في أعماله بطريقة رمزية وروحية عميقة. والقصة لم تكن محورًا منفردًا في أعماله، لكنها ظهرت كجزء من اهتمامه بتجسيد معاني الحب الإلهي والعلاقة بين الروح والجسد.
المثنوي المعنوي:
يعتبر “المثنوي” من أهم أعمال الرومي، حيث يُدمج فيه بين القصص الرمزية والروحانية. قصة يوسف وزليخة تظهر في هذا العمل، حيث يستخدمها الرومي كرمز للحب الروحي.
وتُجسد زليخة في المثنوي رمزًا للإنسان الذي يسعى وراء الجمال الظاهري، ثم يُدرك تدريجيًا أن الجمال الحقيقي هو جمال الله. ويوسف يُمثل النقاء والجمال الإلهي الذي يجذب الأرواح، وزليخة تمثل النفس البشرية التي تتحول من التعلق بالماديات إلى الحب الإلهي.
مثال من المثنوي: الرومي يُبرز تحول زليخة بعد خضوعها للحب الحقيقي ليوسف، ويرمز بذلك إلى تحول النفس من الأهواء الدنيوية إلى الحب الإلهي.
ديوان شمس تبريزي:
في هذا الديوان الشعري، تُذكر شخصيات رمزية عديدة تعكس معاني الصراع الروحي والحب الإلهي. ويوسف وزليخة يُستخدمان بشكل رمزي لإظهار طبيعة الحب بين العبد وربه، حيث يتجاوز الحب البشري ليصل إلى حب أسمى.
التفسيرات الصوفية للقصة:
الرومي يركز على فكرة أن “زليخة” لم تكن مجرد امرأة تحب يوسف بجنون، بل كانت رمزًا للروح التي تتوق للجمال والصفاء الإلهي. حتى أفعال زليخة التي تبدو دنيوية (مثل محاولتها إغواء يوسف) تُفسر في سياق صوفي كجزء من رحلة النفس للبحث عن الكمال.
اقرأ أيضًا:
أسطورة التنانين.. من أين جاءت حكايات الوحوش الطائرة التي تنفث النار؟

المغزى الروحي لقصة زليخة عند الرومي
زليخة تمثل رحلة الإنسان من حب الذات والأهواء إلى الحب الإلهي النقي. ويُظهر الرومي كيف أن الحب يمكن أن يكون وسيلة لتطهير النفس، حيث ينقل الحب البشري الروح نحو السمو والاتصال بالله.
قصة يوسف وزليخة أصبحت مصدر إلهام في الأدب الصوفي بعد الرومي، وظهرت في أعمال شعراء صوفيين آخرين مثل عبد الرحمن جامي في قصيدته الشهيرة “يوسف وزليخة”.





