مقالات

أشرف الشرقاوي يكتب : “الفكر العسكري الإسرائيلي”

ربما يندهش أغلب العالم عندما يرى مشاهد الدمار في غزة، ويطّلع على عدد القتلى والجرحى الفلسطينيين، ويسمع عن مهاجمة المستشفيات وتدمير المرافق.

فما الذي يجعل دولة تتصرف بهذه الوحشية مع شعب خاضع لاحتلالها منذ سنوات طويلة؟
يمكن فهم ذلك بشكل أوضح من خلال التعرف على فلسفة الفكر العسكري الإسرائيلي.

يوزّع الجيش الإسرائيلي على أغلب وحداته كتابًا بعنوان “نظرية الحرب”. يتبين من قراءة الكتاب أن فلسفة الفكر العسكري الإسرائيلي لا تركز على هزيمة العدو أو تحقيق النصر في جولة أو معركة فحسب.

يقرر مؤلفو الكتاب المذكور أن الحرب – أي حرب، وليس الحرب ضد غزة تحديدًا – لا يجب أن تنتهي دون تحقيق الهدف، وأن الهدف من أي حرب تخوضها إسرائيل – سواء كانت حربًا هجومية، بدأت بمبادرة من الجيش الإسرائيلي، أو حربًا دفاعية أجبرت عليها إسرائيل نتيجة تعرضها لهجوم أو خطر – هو تدمير العدو.

وليس المقصود تدمير القوة العسكرية للعدو فقط، بل القضاء عليه تمامًا، باستهداف قوته العسكرية وكل قدراته القتالية، وقتل وأسر أغلب أفراده، إضافة إلى تدمير الظهير المدني الذي يحتضنه، ومهاجمته بشكل متواصل ولفترة طويلة دون هوادة، ليس فقط حتى يتوقف عن القتال، بل حتى يفقد الرغبة في القتال تمامًا، ويصبح غير قادر على المقاومة أو الرد على الهجوم الذي يتعرض له، أو حتى مجرد السعي للنجاة من هذا الهجوم.

ربما يرى البعض أن هذا الكلام نظري وغير قابل للتنفيذ، لكن الواقع يؤكد أنه عقيدة قتالية للقادة الإسرائيليين. ففي حرب أكتوبر 1973، وفي ذروة النشوة الناتجة عن النجاح في اختراق منطقة الثغرة بين الجيشين الثاني والثالث في الدفرسوار، تحدث الجنرال أرييل شارون، الذي كان قائد فرقة الثغرة، مع الصحفيين الإسرائيليين المرافقين له، وقال لهم إنه لا يجب السماح بانتهاء الحرب دون تدمير القوة العسكرية للعدو وإنهاك الظهير المدني الداعم له، حتى يصل إلى حالة الاستسلام التام، ويقبل ما يتعرض له من قصف وقتل وتدمير دون إبداء أي رد فعل. وعندها فقط يمكن أن تقبل إسرائيل بوقف القتال.

بالطبع، لم يكن هذا ممكنًا مع مصر نظرًا لمساحتها الكبيرة وشعبها المنتشر في كل مكان، ولا سيما بعد أن تبيّن لشارون أنه دُفع إلى مصيدة بدأ يفقد فيها قواته. وعندها فقط استجابت إسرائيل لقرار وقف إطلاق النار. أما مع الفلسطينيين، فالأمر يختلف. فبسبب ضيق مساحة غزة وقلة عدد سكانها وتكدّسهم فيها، يعتقد الجيش الإسرائيلي أنه سيتمكن من تطبيق نظرية الحرب الإسرائيلية في هذا الصراع. وسيكون صمود الفلسطينيين تحت هذه الضغوط كفيلًا بتحطيم هذه النظرية بإذن الله.

والواقع أنه لا يوجد حل للتعامل مع هذه النظرية سوى السعي لإحداث أكبر خسائر ممكنة، ليس في الجيش الإسرائيلي فحسب، بل أيضًا في الظهير المدني الداعم له، لأن هذا الظهير هو الذي سيضغط لطلب وقف الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى