«تجارة الرقيق» 2000 سنة من التاريخ الأسود للقارة العجوز

تجارة الرقيق إحدى الصفحات السوداء في التاريخ الإنساني، وقد لعبت أوروبا دورًا محوريًا في تطورها وتوسعها، خاصة خلال العصور الوسطى والعصر الحديث.
فعلى مدى قرون، لم تكن العبودية مجرد ظاهرة اجتماعية هامشية، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من النظام الاقتصادي والسياسي للدول الأوروبية، وساهمت بشكل كبير في بناء ثرواتها ونفوذها العالمي.
تجارة الرقيق في أوروبا
شهدت المجتمعات الأوروبية القديمة، مثل اليونان وروما، أشكالًا مبكرة من الرق، حيث كان يُستعبد الأسرى في الحروب أو يُباع الفقراء لسداد ديونهم. ومع تقدم الزمن، توسعت هذه الممارسات لتشمل مناطق أوسع، وبدأت مدن البحر الأبيض المتوسط مثل البندقية وجنوة في تجارة البشر من أوروبا الشرقية والمناطق الإسلامية.
لكن التحول الجذري جاء مع بدايات الاستعمار الأوروبي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، حين انخرطت القوى الاستعمارية الكبرى، مثل البرتغال وبريطانيا وفرنسا، في تجارة الرقيق عبر الأطلسي.
ونُقل ملايين الأفارقة قسرًا إلى الأمريكيتين للعمل في المزارع تحت ظروف قاسية وغير إنسانية، ضمن ما عُرف بـ”المثلث التجاري”، حيث كانت أوروبا تلعب دورًا رئيسيًا في تمويل وتنظيم هذا النظام.
ورغم إلغاء تجارة الرقيق رسميًا في القرن التاسع عشر، فإن آثارها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لا تزال ماثلة حتى اليوم، وتُذكّر العالم بفظائع الاستغلال البشري باسم الربح والهيمنة.

اقرأ أيضًا:
قصة أطول زوجين في التاريخ.. حب عمره 150 عامًا باركته الملكة فيكتوريا بالذهب والألماس
كم استمرت تجارة الرقيق في أوروبا
استمرت تجارة الرقيق في أوروبا لفترة طويلة جدًا، ويمكن تقسيم مدّتها حسب المراحل التاريخية والأنواع المختلفة من الرق. إليك نظرة زمنية شاملة:
في العصور القديمة
الرق كان موجودًا في اليونان وروما منذ القرن الـ8 قبل الميلاد تقريبًا. و
استمرت هذه الممارسات حتى سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن الخامس الميلادي.
أي حوالي 1300 عام من وجود نظام رق منتظم في أوروبا القديمة.
في العصور الوسطى (من القرن 5 حتى 15 ميلادي)
لم تختفِ العبودية تمامًا، بل تغيّرت أشكالها. كان هناك رق داخلي في أوروبا، وكذلك تجارة رقيق مع المسلمين والمناطق السلافية. مدن مثل البندقية وجنوة شاركت في بيع الرقيق من أوروبا الشرقية.
واستمرت هذه التجارة حتى نهاية العصور الوسطى، أي حوالي 1000 سنة أخرى من وجود الرق بأشكاله المختلفة.
في العصر الحديث – تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي (من القرن 15 حتى القرن 19)
بدأت بشكل مكثف مع الاستكشافات والاستعمار الأوروبي، خاصة بعد عام 1444 عندما بدأت البرتغال بنقل أول دفعات من العبيد الأفارقة.
استمرت حتى منتصف القرن التاسع عشر، حيث بدأت حركات إلغاء الرق تنتشر، خصوصًا في بريطانيا (1807 – إلغاء التجارة) و1833 (تحرير العبيد)، ثم تبعتها فرنسا ودول أوروبية أخرى. أي أن هذه المرحلة استمرت حوالي 400 سنة.
إذا حسبنا من العصور القديمة حتى الإلغاء الكامل في القرن 19، فقد استمرت تجارة الرقيق في أوروبا بشكل أو بآخر لما يقرب من 2000 سنة، مع تغيرات في الشكل والنطاق.

2000 عام من التاريخ الأسود للقارة العجوز
تجارة الرقيق في أوروبا تُعد جزءًا من تاريخ طويل ومعقد يتداخل فيه الاقتصاد، والسياسة، والدين، والاستعمار. ويمكن تقسيمها إلى مراحل تاريخية مختلفة حسب السياق الجغرافي والزمني، ومن أبرزها:
- الرق في أوروبا القديمة (اليونان وروما)
في اليونان القديمة وروما، كان الرق نظامًا اجتماعيًا واقتصاديًا معتمدًا. كان العبيد يُستخدمون في الزراعة، والمنازل، والمناجم، وحتى في الجيش أحيانًا.
ولم يكن الرق حينها قائمًا على العنصرية كما في العصور الحديثة، بل كان يمكن أن يُستعبد الناس نتيجة الحروب أو الديون.

- تجارة الرقيق في العصور الوسطى
استمرت تجارة الرقيق في أوروبا خلال العصور الوسطى، خاصة عبر البحر الأبيض المتوسط. وشاركت بعض المدن الإيطالية مثل جنوة والبندقية في بيع وشراء الرقيق، حيث كانوا يحصلون عليهم من المناطق السلافية والقوقازية.
وغالبًا ما كان العبيد في تلك المرحلة من أوروبا الشرقية أو المسلمين الذين تم أسرهم في الحروب.
- تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي (القرن 15–19)
هذه هي المرحلة الأكثر شهرة وتأثيرًا، حيث شاركت دول أوروبية كبرى مثل البرتغال، وإسبانيا، وهولندا، وفرنسا، وبريطانيا في نقل ملايين الأفارقة إلى الأمريكيتين للعمل في مزارع السكر والقطن.
يُقدر أن أكثر من 12 مليون شخص قد تم استعبادهم ونقلهم في هذه التجارة. وتم إنشاء نظام اقتصادي ضخم يُعرف باسم “المثلث التجاري” بين أوروبا، وأفريقيا، والأمريكتين.
في هذا النظام، كانت أوروبا تُصدر البضائع إلى أفريقيا، ومن هناك تُشحن العبيد إلى الأمريكيتين، وتعود أوروبا بالمواد الخام مثل السكر والقطن.

- نهاية تجارة الرقيق
بدأت حركات مناهضة الرق في أوروبا تظهر في أواخر القرن 18، وكان أبرزها في بريطانيا. وأُلغيت تجارة الرقيق تدريجيًا، إذ أصدرت بريطانيا قانون إلغاء تجارة الرقيق عام 1807، ثم قانون تحرير العبيد عام 1833.
تلتها دول أوروبية أخرى في إنهاء الرق، لكن آثار النظام بقيت لعقود.





