قصة «أول عيد شكر في العالم» أقامه 38 مستوطنًا إنجليزيًا في فرجينيا

عندما يُذكر “عيد الشكر” في الذاكرة الجمعية للأمريكيين، تتجه الأنظار تلقائيًا نحو احتفال عام 1621 الشهير الذي جمع بين الحجاج الإنكليز وسكان الوامبانواغ الأصليين في مستعمرة بليموث.
وهو الحدث الذي ترسّخ في المخيال الشعبي بوصفه الشرارة الأولى لهذا التقليد الأمريكي العريق.
قصة «أول عيد شكر في العالم»
غير أن التاريخ، كما يكشف بعض المؤرخين، يحتفظ بسردية موازية قلّما تحظى بالاهتمام: عيد شكر آخر أقيم في ولاية فرجينيا قبل عامين من بليموث، في الرابع من ديسمبر عام 1619.
ففي ذلك اليوم البعيد، وصل 38 مستوطنًا إنجليزيًا إلى منطقة بيركلي هاندرد الواقعة على ضفاف نهر جيمس، بعد رحلة بحرية شاقة بدأت في 16 سبتمبر من العام نفسه على متن السفينة “مارغريت”، والتي أبحرت من ميناء بريستول في إنجلترا.

وقد أُرسل هؤلاء المستوطنين من قِبل شركة فرجينيا بهدف تأسيس مستعمرة جديدة في العالم الجديد.
وبمجرد أن وطأت أقدامهم الأرض، التزموا بتنفيذ تعليمات الشركة، والتي نصّت على أداء صلاة شكر لله فور الوصول، تعبيرًا عن امتنانهم للنجاة من الرحلة وأملهم في مستقبل آمن ومزدهر.
احتفال ديني طغى عليه الزمن
على خلاف احتفال بليموث، الذي ارتبط بوفرة المحاصيل وتشارك الطعام مع السكان الأصليين، لم يتضمّن احتفال بيركلي هاندرد أي مظاهر ولائم أو موائد عامرة.
كان احتفالًا روحانيًا خالصًا، اتخذ شكل صلاة أنجليكانية مهيبة، تجسدت فيها مشاعر الخشوع والشكر، في لحظة فارقة من بدايات الاستيطان الأوروبي في أمريكا الشمالية.
وقد مثّل هذا الطقس أول تعبير جماعي موثق للامتنان في تاريخ الأمريكتين، حسبما يرى عدد من المؤرخين.

لكن، وعلى الرغم من أهميته التاريخية، ظل احتفال 1619 طي النسيان لقرون، حيث طغت عليه رواية بليموث الأكثر انتشارًا، ولم يُعاد اكتشافه إلا في القرن العشرين.
ومنذ ذلك الحين، بدأ الموقع الذي يُعتقد أنه كان مستوطنة بيركلي هاندرد، أي مزرعة بيركلي الحالية في فرجينيا، في إحياء ذكرى هذا الحدث سنويًا، تكريمًا لأرواح المستوطنين الأوائل واستذكارًا لصلاتهم العميقة بالإيمان والأمل في المستقبل.
مأساة مبكرة في مسار المستوطنة
لم تدم فرحة بيركلي هاندرد طويلًا؛ فبعد أقل من ثلاث سنوات على تأسيسها، اجتاحت المنطقة انتفاضة قبائل بوهاتان في عام 1622، والتي أسفرت عن مقتل عدد كبير من المستوطنين، وأدت في النهاية إلى هجر المستوطنة بشكل كامل.
ومع أن بيركلي لم تعمّر طويلاً، إلا أن شعلة الامتنان التي أضاءتها يوم 4 ديسمبر 1619 بقيت حاضرة كرمز مبكر لبذور الروح الأمريكية التي ستنمو لاحقًا في التربة الصعبة للعالم الجديد.
اقرأ أيضًا:
«كنوز مصر القديمة» اكتشاف أقدم كتاب مصور في العالم داخل تابوت مصري

إعادة النظر في سردية عيد الشكر
تدعونا قصة بيركلي هاندرد إلى إعادة النظر في السردية التقليدية لعيد الشكر، والاعتراف بتعدد أوجهه التاريخية والثقافية.
فبعيدًا عن الديك الرومي والتوت البري والموائد العامرة، يمثل عيد الشكر في فرجينيا نموذجًا آخر لتعبير بشري صادق عن الامتنان، في لحظة تأسيس ومخاطرة وكفاح من أجل الحياة.
إن استذكار هذا الحدث اليوم لا يغيّر فقط من منظورنا لعيد الشكر، بل يوسّع من مفهومه ليشمل جميع أولئك الذين سعوا إلى بدايات جديدة، حاملين إيمانهم وصلابتهم في وجه المجهول.
وهكذا، وبينما تستمر احتفالات عيد الشكر المعاصرة، تبقى بيركلي هاندرد شهادة حية على أن جذور هذا اليوم لا تنحصر في بليموث وحدها، بل تمتد أعمق وأكثر تنوعًا، لتروي فصلاً آخر من فصول التاريخ الأمريكي الغني والمركّب.





