عدالة أسرع أم عدالة مختلفة؟| بريطانيا تراجع أقدم أعرافها القضائية

كانت قاعات المحاكم في إنجلترا وويلز تبدو في السنوات الماضية كأنها تنبض بإيقاع معتاد؛ جلسات تنتظم، وقضايا تُفصل، وهيئات محلفين تقود واحدًا من أقدم تقاليد العدالة البريطانية، لكن المشهد تغيّر جذريًا، فاليوم تقف تلك القاعات على حافة أزمة خانقة، بعد أن تجاوزت القضايا المتراكمة قدرة النظام القضائي على الاستيعاب، ليصبح الانتظار لأكثر من عام أمرًا شائعًا، بل مؤلمًا للضحايا والمتهمين على حد سواء. وفي مواجهة ما وصفته الحكومة بـ“حالة الطوارئ القضائية”، خرجت مقترحات غير مسبوقة قد تعيد تشكيل وجه العدالة البريطانية كما نعرفها.

بريطانيا.. عدالة أسرع أم عدالة مختلفة؟
المقترحات، التي قُدمت في مذكرة مسرّبة لصحيفة فاينانشيال تايمز، تكشف عن توجه جريء لإنهاء الحق في المحاكمة أمام هيئة محلفين في مجموعة واسعة من الجرائم التي لا تتجاوز عقوبتها القصوى خمس سنوات، ووفقًا للخطة، لن يكون للمتهمين خيار طلب محاكمة أمام هيئة محلفين، وهو حق ظل قائمًا لعقود طويلة يعدّ إحدى ركائز العدالة الجنائية البريطانية. وبدلاً من ذلك، ستنظر هذه القضايا أمام قضاة منفردين ضمن قسم جديد سيُنشأ داخل محاكم التاج، تلك المحاكم التي طالما ارتبطت بالنظر في أخطر الجرائم وأكثرها تأثيرًا.
لكن التغيير لا يقف عند هذا الحد. فالمذكرة تشير إلى أن المحاكمات الطويلة أو المعقدة وعلى رأسها قضايا الاحتيال التي تستغرق شهورًا من الاستماع للأدلة، قد تُدار أيضًا دون هيئة محلفين. ومع ذلك، تبقى بعض الاستثناءات محفوظة، خاصة القضايا التي تنطوي على جرائم كبرى مثل القتل والاغتصاب والقتل غير العمد، أو تلك التي يُعد فيها البعد العام حساسًا بدرجة تستدعي مشاركة المجتمع عبر هيئة المحلفين.
هذه الخطط، التي طوّرها وزير العدل ونائب رئيس الوزراء ديفيد لامي، تتجاوز بكثير ما كان مقترحًا سابقًا من قبل شخصيات قضائية بارزة، بينها السير برايان ليفسون، الذي كان دعا قبل أشهر إلى تقليص محدود فقط لاستخدام هيئات المحلفين، لكن مع تراكم أكثر من 78 ألف قضية في محاكم التاج حتى يونيو الماضي وهو رقم يعادل ضعف ما كان عليه الوضع قبل أربع سنوات يبدو أن الحكومة دفعت نحو خيارات أكثر صرامة، مدفوعة بالضغط والبحث عن حلول عاجلة.

وفي خلفية تلك القرارات، تظهر اعتبارات تتعلق بقدرة الدولة على إدارة الجهاز القضائي. فالمذكرة تكشف أيضًا عن رفع الحد الأقصى لأحكام القضاة من 6 أشهر إلى 24 شهرًا، خطوة تعكس محاولة توسيع نفوذ القضاة وتقليل اعتماد النظام على المحلفين، وتوفير مساحة أكبر للمحاكم الأدنى للتعامل مع أعداد متزايدة من القضايا دون تصعيدها للمستوى الأعلى.
بريطانيا تراجع أقدم أعرافها القضائية
وزارة العدل في بريطانيا لم تُعلن قرارًا نهائيًا بعد، لكنها اعترفت بوجود أزمة تضرب قلب العدالة البريطانية. تراكم القضايا وصل إلى نقطة حرجة، ومتوسط زمن انتظار من يدفع ببراءته ارتفع إلى أكثر من 44 أسبوعًا، وهو رقم لا يليق بنظام قضائي عريق لطالما تباهى بسرعة الفصل ونزاهة الإجراءات، وبينما تحاول الوزارة تقديم هذه التغييرات على أنها “إجراءات جريئة تصحيحية”، يتساءل البعض عمّا إذا كانت هذه الإصلاحات ستقود إلى عدالة أسرع… أم إلى عدالة مختلفة تمامًا.
وهكذا، تقف بريطانيا اليوم أمام مفترق طرق قانوني؛ إما نظام قضائي يعتمد أكثر على القضاة وأقل على المحلفين، أو مزيد من الانتظار الذي يلتهم ثقة الناس في العدالة، وبين الأزمة والحل، تبقى المحاكم مسرحًا لحكاية أكبر تُكتب الآن: حكاية بلد يعيد التفكير في معنى العدالة تحت ضغط الوقت.
اقرأ أيضا.. سرقة الأرشيف النووي الإيراني| جريمة استمرت 10 أعوام من التخطيط





