عربية ودولية

اتفاقيات أمنية أمريكية تعيد واشنطن إلى واجهة أمريكا اللاتينية

في ظل تصاعد التوترات في منطقة البحر الكاريبي وتغيّر أولويات الأمن الدولي، تعود الولايات المتحدة بقوة إلى واجهة أمريكا اللاتينية عبر بوابة الاتفاقيات الأمنية والعسكرية، مستحضرة خطاب “مكافحة المخدرات”، ومفعّلة أدوات النفوذ العسكري التقليدي.

وتثير هذه التحركات، التي جاءت بوتيرة متسارعة وتوقيت بالغ الحساسية، تساؤلات عميقة حول أهدافها الحقيقية، وحدود تأثيرها على استقرار الإقليم، لا سيما في ظل التصعيد المتزامن مع فنزويلا ورئيسها نيكولاس مادورو.

تصاعد التوتر بين واشنطن وموسكو بسبب تحركات أمريكية في الكاريبي

اتفاقيات متسارعة ودبلوماسية القوة

خلال أيام قليلة، وقّعت واشنطن سلسلة تفاهمات عسكرية وأمنية مع دول في المنطقة، شملت باراغواي، الإكوادور، بيرو، وترينيداد وتوباغو، في خطوة وصفها مراقبون بأنها إعادة إنتاج واضحة لـ «دبلوماسية القوة»، وتوسيع عملي لمبدأ مونرو بصيغة جديدة تتلاءم مع التحولات الجيوسياسية الراهنة.

ورغم تأكيد الإدارة الأمريكية أن هذه الاتفاقيات ذات طابع دفاعي، فإن سرعتها وتزامنها مع تطورات عسكرية واقتصادية خطيرة تثير شكوكًا متزايدة بشأن نوايا واشنطن بعيدة المدى في الإقليم.

 

تصعيد متزامن مع فنزويلا

تزامنت هذه التحركات مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض حصار على ناقلات النفط الفنزويلية ضمن حزمة عقوبات مشددة، إضافة إلى أوامر بمصادرة سفن، في سياق عمليات عسكرية شهدت غارات جوية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخص في منطقتي البحر الكاريبي والمحيط الهادئ.

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة الغارديان البريطانية أن الاتفاقيات وُقّعت تحت شعار “الحرب على المخدرات”، وهو الشعار ذاته الذي استخدمته واشنطن لتبرير تصعيدها ضد فنزويلا، رغم تصريحات لمسؤولين في البيت الأبيض ولترامب نفسه تشير إلى أن الأهداف تشمل أيضًا الاستيلاء على احتياطيات الطاقة الفنزويلية الضخمة والسعي إلى إسقاط نظام مادورو.

أمريكا وفنزويلا
أمريكا وفنزويلا

استعداد أمريكا لعمليات عسكرية أوسع

ويرى محللون أن حجم وتوقيت هذه الاتفاقيات يمثلان تصعيدًا إضافيًا، وسط تكهنات متزايدة حول احتمال غزو أمريكي غير مسبوق لفنزويلا.

وفي هذا الإطار، قالت جينيفر كافانا، مديرة التحليل العسكري في مركز أبحاث أولويات الدفاع، إن الولايات المتحدة، في حال شنت هجومًا أوسع يشمل غارات جوية على فنزويلا أو دول مجاورة مثل كولومبيا أو كوبا، ستحتاج إلى شبكة واسعة من مواقع العمليات العسكرية في أنحاء المنطقة.

وأضافت أن إنشاء هذه الشبكة يمثل عنصرًا حاسمًا لاستدامة أي عمليات عسكرية طويلة الأمد، مؤكدة أنه من غير المنطقي فصل هذه التحركات عن التصعيد ضد فنزويلا.

 

بنود الاتفاقيات… قواعد دون تسميتها

تشمل الاتفاقيات الجديدة تسهيلات واسعة للقوات الأمريكية، أبرزها:

إتاحة استخدام المطارات، كما في ترينيداد وتوباغو.

النشر المؤقت للقوات الأمريكية في عمليات مشتركة ضد ما يُسمى بـ”إرهابيي المخدرات”، كما في باراغواي.

نشر قوات من سلاح الجو الأمريكي في الإكوادور، رغم رفض الإكوادوريين في استفتاء عام سابق إنشاء قواعد عسكرية أجنبية.

 

تشكيك في ذريعة المخدرات

وفي انتقاد مباشر للرواية الأمريكية، قال خورخي هاين، السفير التشيلي السابق وأستاذ الدراسات العالمية بجامعة بوسطن، إن هذه التحركات “لا علاقة لها بالمخدرات”، مشيرًا إلى أن دولًا مثل باراغواي وفنزويلا لا تُعد مراكز رئيسية لإنتاج أو توزيع المخدرات.

وأوضح أن هذه السياسة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بوثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، وليس بمكافحة الجريمة المنظمة.

سفينة أمريكية قرب سواحل فنزويلا

مبدأ مونرو… نسخة ترامب

تندرج هذه التحركات ضمن ما يصفه مراقبون بـ “ملحق ترامب” لمبدأ مونرو، الذي صاغه الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823 تحت شعار “أمريكا للأمريكيين”، واستخدم لاحقًا لتبرير تدخلات وانقلابات عسكرية دعمتها واشنطن في أمريكا اللاتينية.

ودعت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الأخيرة صراحة إلى توسيع الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، في مؤشر على عودة منطق الهيمنة التقليدية بوسائل معاصرة.

 

ترينيداد وتوباغو في قلب التوتر

في منطقة الكاريبي، أثارت موافقة ترينيداد وتوباغو على تركيب نظام رادار أمريكي ومنح القوات الأمريكية حق الوصول إلى مطاراتها غضب فنزويلا، حيث اتهمها نظام مادورو بالمشاركة في مصادرة أول ناقلة نفط فنزويلية قبل أسبوعين.

وأعلنت كاراكاس على إثر ذلك الإنهاء الفوري لأي اتفاقيات بشأن إمدادات الغاز الأحفوري بين البلدين.

في المقابل، قالت رئيسة وزراء ترينيداد وتوباغو كاملا بيرساد-بيسيسار إن “أفضل دفاع” لبلادها يكمن في التعاون العسكري مع الولايات المتحدة.

وردًّا على هذه التصريحات، قال وزير الداخلية الفنزويلي ديوسدادو كابيلو إن أي سماح باستخدام الأراضي الترينيدادية لشن هجوم على فنزويلا سيقابل برد مباشر، في تصعيد خطابي يعكس خطورة المرحلة.

 

شبكة عسكرية متنامية

ولم تقتصر التحركات الأمريكية على الدول المذكورة، إذ وقّعت واشنطن في الأشهر الأخيرة اتفاقيات مماثلة مع غيانا، جمهورية الدومينيكان، وبنما، بينما تشارك دول أخرى في الحشد العسكري عبر قواعد أمريكية قائمة في بورتوريكو وهندوراس وكوبا، إضافة إلى مراكز مراقبة في مطارات السلفادور وأروا وكوراساو.

وصف جون والش، مدير سياسة مكافحة المخدرات في مكتب واشنطن لشؤون أمريكا اللاتينية، الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بأنها “دبلوماسية الزوارق الحربية”، تهدف إلى مكافأة الحلفاء الموالين، وإرسال رسالة ردع عسكرية إلى الدول غير المنخرطة في هذا المسار.

اقرأ أيضًا:

حذف صور من ملفات إبستين يشعل جدلًا سياسيا في واشنطن ووزارة العدل تنفي صلة ترامب

عزلة مادورو وتحذير إقليمي

في المقابل، وجّه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو رسالة عاجلة إلى قادة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي، حذّر فيها من تصعيد العدوان الأمريكي، معتبرًا أن تداعياته تتجاوز حدود فنزويلا وتهدد استقرار المنطقة بأكملها.

رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو
رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه مادورو من عزلة إقليمية متزايدة منذ إعادة انتخابه العام الماضي في انتخابات يشكك كثيرون في نزاهتها، حيث تراجع التواصل بينه وبين قادة بارزين مثل الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا ونظيره الكولومبي غوستافو بيترو.

تعكس تحركات أمريكا الأخيرة عودة واضحة لمنطق الهيمنة العسكرية في أمريكا اللاتينية، تحت غطاء مكافحة المخدرات، لكنها في جوهرها ترتبط بصراع النفوذ والطاقة ومواجهة الأنظمة المناوئة لواشنطن. وبينما تتوسع شبكة الاتفاقيات والقواعد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تقود هذه السياسة إلى احتواء الأزمات، أم إلى إشعال مواجهة إقليمية واسعة قد تدفع المنطقة بأكملها نحو عدم الاستقرار؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى