روبيو: واشنطن متمسكة بالتحالف الأطلسي وتسعى لتجديده لا تفكيكه

أكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تفكيك التحالف التاريخي عبر الأطلسي، بل إلى إعادة تنشيطه وتعزيزه بما يتلاءم مع تحديات المرحلة الراهنة، مشددًا على أن واشنطن وأوروبا «تنتميان إلى بعضهما البعض» في إطار شراكة استراتيجية ممتدة لعقود.
وجاءت تصريحات روبيو خلال مشاركته في مؤتمر ميونخ للأمن، حيث حرص على توجيه رسائل طمأنة واضحة للحلفاء الأوروبيين، في ظل تصاعد الجدل بشأن مستقبل العلاقات عبر الأطلسي.

استدعاء التاريخ المشترك للتحالف
استهل روبيو كلمته باستحضار رمزية المؤتمر، الذي تعود انطلاقته إلى عام 1963، واصفًا إياه بأنه منصة جمعت «أعضاء التحالف الذي أنقذ العالم وغير مجرى التاريخ»، في إشارة إلى مرحلة الحرب الباردة حين كانت أوروبا منقسمة بين المعسكرين الشرقي والغربي.
وأشار إلى أن الانتصار في تلك المرحلة لم يكن حتميًا، بل تحقق نتيجة التوحد حول أهداف مشتركة وقيم جامعة، مؤكدًا أن التحالف لم يقم فقط على مواجهة خصم مشترك، بل على رؤية متكاملة لمستقبل قائم على الحرية والسيادة والتعاون.
مراجعة نقدية لمرحلة «نهاية التاريخ»
وفي قراءة نقدية للتحولات التي أعقبت الحرب الباردة، اعتبر وزير الخارجية الأمريكي أن الاعتقاد بدخول العالم مرحلة «نهاية التاريخ» كان وهمًا خطيرًا، لافتًا إلى أن الرهان على الروابط التجارية وحدها كبديل عن مفاهيم الوطنية والسيادة أثبت محدوديته.
وأضاف أن الإفراط في استخدام مصطلح «النظام العالمي القائم على القواعد» أدى أحيانًا إلى تجاهل المصالح الوطنية الحقيقية للمجتمعات، وهو ما يستدعي – بحسب تعبيره – مراجعة جادة لآليات عمل المؤسسات الدولية وطبيعة التوازنات داخلها.
نبرة تصالحية بعد انتقادات سابقة
حملت كلمة روبيو نبرة تصالحية لافتة، بدت مغايرة للانتقادات الحادة التي وجهها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في النسخة السابقة من المؤتمر بشأن اعتماد أوروبا المفرط على الدعم الأمريكي.
وقد انعكس هذا التحول في الخطاب على أجواء القاعة، إذ حظي الوزير الأمريكي بتصفيق من عدد من القادة الأوروبيين لدى تأكيده التزام بلاده بضمان تحالف قوي ومستدام، يقوم على المصالح المتبادلة وتقاسم المسؤوليات.
رؤية إدارة ترامب لإصلاح المؤسسات الدولية
وفي إطار توجهات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أوضح روبيو أن واشنطن تدعو إلى «إصلاح وإعادة بناء» المؤسسات العالمية المنبثقة عن النظام الدولي التقليدي، بدلًا من الاكتفاء بالدفاع عن وضع قائم يواجه تحديات متزايدة.

وأكد أن الولايات المتحدة لا تطالب حلفاءها بتبرير اختلالات قائمة، بل بالعمل المشترك على معالجتها، بما يضمن نظامًا دوليًا أكثر توازنًا وفاعلية، يستجيب لتطلعات الشعوب ويحافظ على المصالح الوطنية.
دعوة لإحياء التحالف في مواجهة الأزمات
واختتم روبيو كلمته بالتشديد على أن الأزمات التي تواجه المجتمعات الغربية لا ترتبط فقط بسياسات خاطئة، بل تمتد إلى ما وصفه بحالة من «اليأس والرضا عن الذات»، داعيًا إلى تحرك جماعي جاد لإعادة الحيوية إلى التحالف الأطلسي.
ميونخ 2026.. أجندة مثقلة بالتحديات
تأتي هذه التصريحات بالتزامن مع انطلاق أعمال مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2026 في عاصمة ولاية بافاريا جنوب ألمانيا، بمشاركة واسعة من القادة الأوروبيين، بينهم المستشار الألماني فريدريش ميرز، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.
ويناقش المؤتمر هذا العام ملفات ملحة، في مقدمتها الحرب في أوكرانيا بحضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إضافة إلى تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، بما يشمل قطاع غزة والعلاقات المتوترة مع إيران.
وفي ظل سعي أوروبا لتعزيز استقلاليتها الأمنية، تبدو رسائل واشنطن في ميونخ محاولة لإعادة ضبط إيقاع العلاقة عبر الأطلسي، والحفاظ على تماسك تحالف يواجه واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ عقود.



