عربية ودولية

رمضان تحت الركام| غزة تصوم على وقع الألم وتصنع الأمل

مع اقتراب شهر رمضان، لا تستقبله غزة بزينة الشوارع ولا بصخب الأسواق، بل بصمتٍ ثقيل تحمله الجدران المتصدعة وركام البيوت التي صارت شاهدًا على أيامٍ قاسية، هنا، يتبدّل شكل الاستعداد للشهر الكريم؛ فبدل شراء الفوانيس وتبادل التهاني، ينشغل الناس بتأمين أبسط مقومات الحياة، ويصنعون من القليل كثيرًا، ومن الألم طقسًا للصمود.

في أحياءٍ كثيرة، تحولت أنقاض المنازل إلى موائد إفطار جماعية. تُفرش الأقمشة البسيطة فوق الركام، ويجتمع الجيران بما تيسّر من طعام، كأنهم يعلنون تحديهم للغياب والخراب. الإفطار هنا ليس مجرد وجبة، بل رسالة حياة: ما زلنا معًا، وما زال رمضان يجمعنا.

تتقاسم العائلات الخبز والتمر وطبق العدس، وتعلو الدعوات قبل الأذان وبعده، طلبًا للفرج وحفظ الأبناء،
الأسواق الشعبية، رغم محدوديتها، تحاول أن تحافظ على نبضها، بسطات قليلة تعرض ما توافر من خضروات مجففة أو معلبات، وأسعار تتغير وفق الندرة. لا ازدحام كما كان، لكن الوجوه تحمل إصرارًا واضحًا على الاستمرار،  بعض التجار يخصصون “سلال رمضان” بما توفر، يبيعونها بأقل هامش ربح، وآخرون يوزعون الطعام صدقةً لمن هم أشد حاجة.


الاستعدادات الرمضانية داخل البيوت لها طابع خاص. لا كهرباء مستقرة، ولا مياه كافية، فتُعدّ الوجبات وفق حسابات دقيقة. الأمهات يبتكرن وصفات بديلة، ويعلمن أبناءهن معنى الصبر والمشاركة، الأطفال، رغم كل شيء، ينتظرون مدفع الإفطار بطريقتهم؛ ربما لعبة صغيرة مصنوعة من بقايا الخشب، أو فانوس ورقي بسيط يضيء لوهلة ثم ينطفئ.

المساجد، إن استطاعت فتح أبوابها، تتحول إلى ملاذٍ روحي. تُقام الصلوات بما تيسر، ويعلو صوت القرآن ليخفف ثقل الأيام. حلقات الذكر والدعاء تصبح مساحة للتماسك، حيث يجد الناس عزاءهم في الإيمان، ويستعيدون معنى رمضان كزمنٍ للتراحم واليقين.

رمضان في غزة ليس شهر موائد عامرة، بل شهر إرادة. هنا، تتحول الأطلال إلى رمز للتماسك، ويصير الإفطار فعل مقاومة هادئة. وبين ألمٍ لم يهدأ، وأملٍ لا ينطفئ، يثبت أهل غزة أن روح رمضان أقوى من الركام، وأن الصبر حين يقترن بالإيمان، يصنع حياةً حتى في أقسى الظروف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى