عربية ودوليةعاجل

لقاء حاسم في البيت الأبيض| كيف مهّد نتنياهو الطريق لحرب ترمب ضد إيران؟

في صباح 11 فبراير/شباط الماضي، لم يكن دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى المكتب البيضاوي مجرد زيارة بروتوكولية عابرة، بل محطة مفصلية في مسار تصعيد انتهى بحرب واسعة ضد إيران. لقاءٌ استمر ثلاث ساعات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، شكّل – وفق تحقيق استقصائي مطول نشرته صحيفة نيويورك تايمز – نقطة التحول التي دفعت واشنطن إلى خيار المواجهة العسكرية المباشرة.

التحقيق، الذي أعدّه فريق من كبار مراسلي الصحيفة بينهم مارك مازيتي وجوليان بارنز وتايلر بيجر وإدوارد وونغ وإريك شميدت ورونين بيرغمان، استند إلى شهادات مسؤولين استخباريين ودبلوماسيين لكشف كواليس عملية عسكرية حملت اسم “الغضب الملحمي”، وُصفت بأنها محاولة لإعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط خلال أسابيع.

ترامب ونتنياهو
ترامب ونتنياهو

ضغوط إسرائيلية وتوافق صامت داخل واشنطن

بحسب التحقيق، لم يكن قرار الحرب وليد لحظة انفعال، بل نتيجة مسار طويل من الضغوط الإسرائيلية المتواصلة وتوافق غير معلن داخل أروقة الإدارة الأمريكية.

فبعد أيام من لقائه بنتنياهو، عبّر ترمب علنًا عن شكوكه تجاه المسار الدبلوماسي مع طهران، واصفًا سنوات التفاوض بأنها مجرد “كلام وكلام وكلام”. وعندما سُئل عمّا إذا كان يسعى لتغيير النظام الإيراني، أجاب بأن ذلك “قد يكون أفضل ما يمكن أن يحدث”.

وبعد أسبوعين فقط من لقائه نتنياهو، أعطى الضوء الأخضر لعملية عسكرية مشتركة مع إسرائيل، استهدفت مواقع نووية وعسكرية ومنشآت مدنية، وأسفرت – وفق الرواية المتداولة – عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، ودخول البلاد في حالة فوضى امتدت تداعياتها إلى عموم المنطقة.

 

خسائر بشرية وتوسع رقعة المواجهة

أشارت نيويورك تايمز إلى أن المواجهة أودت بحياة 6 جنود أمريكيين وعشرات المدنيين الإيرانيين حتى الآن، مع توقعات بارتفاع الحصيلة.

وكانت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) قد أعلنت ارتفاع عدد القتلى في صفوف قواتها إلى ستة جنود، إضافة إلى إصابة 18 آخرين بجروح خطيرة، ضمن العمليات المشتركة الجارية ضد إيران.

الرئيس الأمريكي أقرّ بإمكانية سقوط مزيد من الضحايا، في وقت تستعد فيه القوات الأمريكية لهجوم قد يمتد لأسابيع، ما يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية مفتوحة.

الدبلوماسية كغطاء زمني للحشد العسكري

في العلن، بدا ترمب مترددًا بين خيار التفاوض وخيار إسقاط النظام الإيراني. لكن التحقيق يكشف أن المفاوضات النووية التي جرت في جنيف استُخدمت – وفق مصادر الصحيفة – كغطاء زمني لإتاحة الفرصة للبنتاغون لاستكمال أكبر حشد عسكري أمريكي في المنطقة منذ جيل كامل.

وتشير المعلومات إلى أن نية الحرب تبلورت منذ ديسمبر/كانون الأول، خلال اجتماع جمع ترمب بنتنياهو في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا، حيث طلب الأخير ضوءًا أخضر لضرب المواقع الصاروخية الإيرانية.

 

دائرة مغلقة بلا معارضة مؤثرة

خلافًا للتوقعات، لم تشهد الدائرة الضيقة للرئيس اعتراضات تُذكر. حتى نائب الرئيس جيه دي فانس، المعروف بتحفظه التقليدي تجاه التدخلات العسكرية، تبنى موقفًا هجوميًا خلال اجتماعات غرفة العمليات، داعيًا إلى ضرب إيران “بكل قوة وبأقصى سرعة”.

في المقابل، حذّر رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين من أن الحرب قد تستنزف مخزونات الذخيرة الأمريكية وتكبّد الجيش خسائر فادحة، إلا أن ترمب قدّم للرأي العام رواية أكثر تفاؤلًا عبر منصته تروث سوشيال، زاعمًا أن النصر سيكون “سهلًا ومضمونًا”.

كما وُجهت اتهامات لوزير الخارجية ماركو روبيو بإخفاء نية تغيير النظام عن قادة الكونغرس، وتقديم الحرب على أنها خطوة استباقية لا مفر منها.

 

الرهان على “قطع الرأس”

سلّط التحقيق الضوء على دور وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) في صياغة سيناريوهات ما بعد استهداف القيادة الإيرانية.

ووفق الصحيفة، راهن “صقور” الإدارة على أن اغتيال المرشد الأعلى قد يفتح الباب أمام جناح براغماتي داخل الحرس الثوري الإيراني، يميل إلى التهدئة مع واشنطن مقابل الحفاظ على مصالحه الاقتصادية، خصوصًا في قطاع النفط.

هذا الرهان الاستخباري كان الدافع لاختيار توقيت الضربة في وضح النهار، مستندًا إلى معلومات دقيقة حول وجود خامنئي في مجمعه بطهران خلال اجتماع لكبار القادة العسكريين.

المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي
المرشد الأعلى السابق لإيران علي خامنئي

لحظة القرار من على متن الطائرة الرئاسية

بينما كان ترمب في طريقه لإلقاء خطاب حول الطاقة في ولاية تكساس، أصدر أمره النهائي من على متن الطائرة الرئاسية، معلنًا الموافقة على تنفيذ “عملية الغضب الملحمي” دون تراجع.

في المقابل، كانت طهران – بحسب التحقيق – تعيش حالة من الاطمئنان الزائف، اعتقادًا بأن أي هجوم لن يقع في وضح النهار أو في مطلع أسبوع العمل، ما جعل الضربة مفاجئة وصادمة.

خارج الإدارة، كان الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون من أبرز الأصوات المعارضة، محذرًا من الانجرار خلف الأجندة الإسرائيلية ومخاطر ارتفاع أسعار الطاقة وتهديد أمن الشركاء العرب.

كما رأى بعض الديمقراطيين أن منطق “الضربة الوقائية” كان دائريًا: حشد عسكري يستفز إيران، ثم استخدام احتمال ردها مبررًا لشن الهجوم.

 

 حرب مخطط لها لا قرار مفاجئ

يخلص تحقيق نيويورك تايمز إلى أن الحرب لم تكن انعطافًا مفاجئًا في سياسة واشنطن، بل نتيجة مسار متدرج غذّته ثلاثة عوامل رئيسية:

ضغط إسرائيلي مكثف ومتواصل.

قناعة رئاسية بإمكانية تحقيق نصر سريع وحاسم.

غياب معارضة مؤثرة داخل دائرة صنع القرار.

ومع استمرار العمليات العسكرية، يبقى السؤال الأهم: هل تحقق واشنطن أهدافها الاستراتيجية بإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، أم أن المواجهة ستتحول إلى حرب استنزاف طويلة بتكلفة بشرية وسياسية باهظة؟

اقرأ أيضًا:

ترامب يلمّح إلى تغيير محتمل في القيادة الإيرانية| حديث عن “شخص من الداخل” والحرب قد تطول أسابيع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى