عربية ودولية

إيران بين تماسك السلطة واحتمالات الانقلاب من الداخل| هل يقترب النظام من لحظة الانهيار؟

رغم خروج مئات الآلاف من الإيرانيين إلى الشوارع واتساع رقعة الاحتجاجات بشكل غير مسبوق جغرافيًا واجتماعيًا، لا يزال النظام الإيراني يظهر تماسكًا لافتًا في مواجهة واحدة من أعنف موجات الغضب الشعبي في تاريخه الحديث. إلا أن هذا التماسك، وفق تحليل موسع نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، قد يكون «خادعًا ومؤقتًا»، يخفي خلفه أزمة وجودية عميقة تهدد بقاء النظام نفسه.

وتشير المجلة إلى أن ما يبدو وحدة صلبة داخل السلطة يخفي توترات مكتومة داخل النخبة الحاكمة، في ظل اقتصاد منهك، وشرعية شعبية متآكلة، وضغوط خارجية متصاعدة، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات دراماتيكية قد تعيد رسم مستقبل الجمهورية الإسلامية.

مظاهرات إيران

تماسك ظاهري وإجماع على القمع

بحسب «فورين أفيرز»، اصطف الإصلاحيون والمتشددون على حد سواء خلف خيار القمع، من دون أن يجرؤ أي من رموز النخبة على الاعتراض علنًا على مقتل المتظاهرين.

وتبنت مختلف التيارات داخل النظام الرواية الرسمية التي تلقي باللوم على «مندسين أجانب»، في محاولة لتبرير العنف ونزع الشرعية عن الاحتجاجات. غير أن هذا الإجماع الظاهري لا يعكس بالضرورة قناعة حقيقية بقدرة النظام على تجاوز الأزمة.

وتؤكد المجلة أن كثيرًا من المسؤولين يدركون في الكواليس أن النظام يواجه أخطر لحظاته منذ قيام الثورة عام 1979، وأن القمع وحده لم يعد كافيًا لإطفاء جذوة الغضب الشعبي أو ترميم الثقة المفقودة.

 

أزمة وجودية متعددة الأبعاد

تتزامن الاحتجاجات مع أزمة اقتصادية خانقة تضرب المجتمع الإيراني من العمق. فالتضخم المرتفع، ونقص السلع الأساسية، وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل فاقمت من حالة السخط الشعبي.

وإلى جانب الاقتصاد المتآكل، يعاني النظام من فساد متراكم عبر عقود، وتآكل واسع في شرعيته، حتى في الأوساط التي كانت تاريخيًا تمثل دعامة للاستقرار، مثل المدن المحافظة وطبقة التجار في البازار.

وتضيف «فورين أفيرز» أن نفوذ إيران الإقليمي تراجع بدوره بعد تضرر شبكة حلفائها، في وقت تبدو فيه القيادة عاجزة عن تقديم حلول سياسية أو اقتصادية حقيقية.

وفي هذا السياق، تزيد التهديدات الخارجية، ولا سيما تلويح الولايات المتحدة باستخدام القوة لإسقاط النظام، من هشاشة الوضع الداخلي، وتعمق الشعور داخل النخبة بأن بقاء النظام بات مهددًا فعليًا.

 

النخبة تفكر في «إنقاذ نفسها»

في ظل هذه الضغوط المركبة، ترى المجلة الأميركية أن قطاعات من النخبة قد تبدأ في التفكير بخيار بالغ الخطورة: التضحية بالمرشد الأعلى علي خامنئي من أجل إنقاذ النظام ومصالحها الخاصة.

وتشير إلى أن أي تحرك من هذا النوع لن يكون تدريجيًا أو علنيًا، بل سيأتي مفاجئًا وسريعًا، من دون مؤشرات واضحة تسبقه، إذ تميل الأنظمة السلطوية – وفق نمط تاريخي متكرر – إلى الانهيار بعد مرحلة تآكل بطيء يعقبها سقوط مفاجئ.

ورغم أن الاحتجاجات لم تنجح حتى الآن في إحداث انشقاق داخل مراكز القوة، فإنها، بحسب المجلة، «جرّدت النظام مما تبقى له من شرعية شعبية»، حتى داخل الفئات التقليدية الموالية.

احتجاجات

ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل إيران

ترى «فورين أفيرز» أن إيران تقف اليوم أمام ثلاثة مسارات رئيسية للتغيير:

المسار الأول: ثورة شعبية شاملة

يتمثل في اندلاع ثورة واسعة تطيح بالنظام وتعيد تشكيل الدولة جذريًا.

غير أن هذا السيناريو يتطلب انشقاقًا داخل أجهزة الحكم وانحياز جزء من القوات المسلحة إلى الشارع، وهو ما لم يحدث حتى الآن، ما يجعله احتمالًا ضعيفًا في المدى القريب.

 

المسار الثاني: تدخل خارجي مباشر

يقوم على تدخل عسكري تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها لإسقاط النظام بالقوة.

لكن هذا الخيار يتطلب التزامًا عسكريًا ضخمًا، وينطوي على مخاطر عالية باندلاع فوضى طويلة الأمد في بلد محوري إقليميًا، ما يجعله – وفق التحليل – سيناريو غير مرجح في المرحلة الحالية.

 

المسار الثالث: الانقلاب من داخل النظام (الأرجح)

ترى المجلة أن السيناريو الأكثر احتمالًا يتمثل في «انقلاب من داخل النظام»، إذ عندما تصل الأنظمة السلطوية إلى طريق مسدود، تبدأ النخب في التفكير بالتضحية بالقائد الأعلى للحفاظ على مواقعها ونفوذها.

وفي الحالة الإيرانية، يُرجح أن يكون الحرس الثوري اللاعب الرئيسي في أي تحرك من هذا النوع.

 

الحرس الثوري… الفاعل الحاسم

تعود أهمية الحرس الثوري إلى ثلاثة عوامل أساسية:

قوته العسكرية الكبيرة.

نفوذه السياسي والاقتصادي الواسع.

مصلحته المباشرة في التحكم بمسار التغيير بدل أن يُفرض عليه من الشارع أو من الخارج.

غير أن المجلة تحذر من أن الحرس الثوري ليس كتلة واحدة متجانسة، بل يعاني انقسامًا عميقًا بين جيلين.

الحرس الثوري الإيراني
الحرس الثوري الإيراني

انقسام الأجيال داخل الحرس الثوري

الجيل القديم

وهو الجيل المرتبط مباشرة بخامنئي وبمرحلة الثورة والحرب مع العراق. لا يزال هذا الجيل متمسكًا بالطابع الديني للنظام وبالسياسة الخارجية الأيديولوجية، وقد استفاد ماديًا بشكل كبير من منظومة الفساد والمحسوبية.

وفي حال قاد هذا التيار انقلابًا، فمن المرجح أن يسعى إلى تسويات خارجية محدودة – مثل تقديم تنازلات في الملف النووي أو الصاروخي مقابل تخفيف العقوبات – من دون المساس بجوهر النظام الديني أو ببنية الفساد القائمة.

الجيل الأصغر

يمثل فئة أكثر براغماتية اجتماعيًا وأقل التزامًا بالقيود الدينية الصارمة، لكنه في الوقت نفسه أكثر تشددًا من الناحية القومية والعسكرية.

هذا الجيل، الذي صعد مع توسع النفوذ الإيراني بعد عام 2003، قد يرى في الانقلاب فرصة لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤية أقل دينية وأكثر قومية، مع الإبقاء على سياسة خارجية قوية ولكن أكثر واقعية في التعامل مع الغرب.

 

تغيير بلا ديمقراطية

تحذر «فورين أفيرز» من أن أي انقلاب محتمل – مهما كان قادته – لن يقود إلى ديمقراطية حقيقية.

فالهدف الأساسي سيكون الحفاظ على عناصر من النظام القائم وحماية مصالح النخبة، لا تحقيق مطالب الشارع في الحرية والعدالة الاجتماعية.

احتجاجات إيران
احتجاجات إيران

ومع ذلك، فإن تصدع النخبة سيشكل مؤشرًا حاسمًا على دخول النظام مرحلة الانهيار، لأن إزاحة خامنئي، إن حدثت، ستكون اعترافًا داخليًا بأن النظام فقد قدرته على إصلاح نفسه من الداخل.

 

إيران على أعتاب تحول تاريخي

تخلص المجلة إلى أن إيران تتجه حتمًا نحو التغيير، لكنه قد لا يأتي بالصورة التي يتطلع إليها المحتجون.

وبينما يبدو الشارع عاجزًا وحده عن إسقاط النظام، فإن أي كسر في وحدة النخبة الحاكمة قد يمثل بداية فعلية لانهيار الجمهورية الإسلامية، حتى لو جاء التغيير في بدايته على شكل حكم جديد بوجوه قديمة.

وفي بلد اعتاد التحولات المفاجئة، تبقى الأسئلة الكبرى مفتوحة: متى يبدأ الشرخ الحقيقي داخل السلطة؟ ومن سيكتب الفصل الأخير من حكم دام أكثر من أربعة عقود؟

اقرأ أيضًا:

إسرائيل تعزز أسطولها بمقاتلات «إف-35»| تسلّم دفعة جديدة وسط تأهب إقليمي وترقب لهجوم محتمل على إيران

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى