البنتاغون يدرس بناء مدمرات خارج أمريكا| تحول استراتيجي يثير جدلاً واسعًا

في تطور لافت قد يُعيد رسم خريطة الصناعات الدفاعية عالميًا، تتجه وزارة الحرب الأمريكية “البنتاغون” نحو إعادة تعريف قواعد بناء أسطولها البحري السطحي، عبر دراسة خيارات غير تقليدية تشمل شراء تصاميم سفن حربية أجنبية، بل وإسناد عمليات البناء إلى أحواض خارج الولايات المتحدة، في خطوة تعكس حجم التحديات التي تواجهها الصناعة العسكرية الأمريكية في ظل سباق التسلح البحري المتسارع.
تحولات غير مسبوقة في استراتيجية بناء الأسطول
وفقًا لما أوردته مجلة Military Watch، تأتي هذه التوجهات استجابة مباشرة لتراجع قدرات الأسطول السطحي الأمريكي، نتيجة قيود هيكلية في قطاع بناء السفن المحلي، وعجز متزايد عن مواكبة التطور السريع لدى المنافسين الاستراتيجيين.

وفي هذا السياق، تضمن مقترح ميزانية البنتاغون السنة المالية 2027 تخصيص نحو 1.85 مليار دولار لأبحاث ودراسات تهدف إلى تقييم جدوى بناء المدمرات والفرقاطات خارج البلاد.
اليابان وكوريا الجنوبية في قلب الخطة
باشرت البحرية الأمريكية، بتوجيهات من البنتاغون، دراسة إمكانية الاستفادة من خبرات أحواض بناء السفن في اليابان وكوريا الجنوبية، خاصة مع ما تمتلكه من تصاميم متقدمة مثل:
فئة “موغامي” اليابانية
فئة “دايغو” الكورية الجنوبية
وتُعد هذه السفن من بين الأكثر تطورًا من حيث الكفاءة القتالية والتكلفة التشغيلية.
عقبات قانونية وانتقادات داخلية
تصطدم هذه الخطط بإطار قانوني صارم، حيث يحظر القانون الفيدرالي الأمريكي بناء السفن الحربية خارج البلاد، إلا بقرار استثنائي من الرئيس بداعي الأمن القومي.
وقد أثارت هذه التوجهات معارضة قوية داخل الأوساط الصناعية، حيث انتقد ماثيو باكستون، رئيس جمعية بناة السفن الأمريكية، فكرة الاستعانة بمصادر خارجية، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة الصناعية والخبرة الفنية الكافية لبناء أسطولها دون الحاجة للاعتماد على الخارج.
وفي ظل هذا الجدل، يبرز حل وسط يتمثل في جذب الاستثمارات الأجنبية إلى الداخل الأمريكي، وهو ما تجسد في استحواذ شركة هانوا الكورية الجنوبية على حوض بناء السفن “فيلي” في ولاية بنسلفانيا، في خطوة تعكس توجهًا نحو نقل الخبرات بدلاً من نقل الإنتاج بالكامل.

فجوة إنتاجية تقلق واشنطن
تكشف الأرقام عن فجوة كبيرة في الإنتاج البحري، حيث تنتج الصين ما بين 6 إلى 10 مدمرات سنويًا، مقابل نحو 1.6 مدمرة فقط في الولايات المتحدة، وهو معدل باتت كوريا الجنوبية قادرة على تحقيقه أيضًا.
وتعكس هذه الفجوة تحديًا استراتيجيًا يفرض على واشنطن البحث عن حلول سريعة وفعالة للحفاظ على تفوقها البحري.
أزمة التصميمات القديمة: «آرلي بيرك» تحت الضغط
لا يزال العمود الفقري للأسطول الأمريكي يعتمد على مدمرات فئة Arleigh Burke، التي تعود جذورها إلى أواخر الحرب الباردة، ما يجعلها تواجه قيودًا في التحديث من حيث المساحة والطاقة والوزن.
كما واجهت برامج تطوير سفن حديثة انتكاسات كبيرة، أبرزها مشروع Zumwalt-class destroyer، الذي تقلص من 32 سفينة مخططة إلى ثلاث فقط، بسبب ارتفاع التكاليف التي تجاوزت 8 مليارات دولار للسفينة الواحدة، إلى جانب مشاكل تشغيلية معقدة.
مشروع «DDG(X)».. أمل محفوف بالشكوك
في يناير 2022، كشفت البحرية الأمريكية عن مشروع المدمرة المستقبلية DDG(X)، والذي جاء استجابة لتطور المدمرات الصينية من فئة “Type 55”.
ورغم ذلك، لا تزال الشكوك تحيط بقدرة الصناعة الأمريكية على تنفيذ المشروع في الوقت والتكلفة المحددين، ما يعزز الدعوات للاستعانة بخبرات خارجية.

تداعيات استراتيجية عالمية
قد يؤدي هذا التحول إلى إعادة توزيع مراكز تصنيع السفن الحربية عالميًا، مع تصاعد دور دول شمال شرق آسيا كمراكز رئيسية للإنتاج البحري المتطور.
وتبقى الولايات المتحدة حتى الآن المنتج الوحيد لبعض فئات السفن المتقدمة العابرة للمحيطات، لكن المنافسة المتزايدة قد تفرض واقعًا جديدًا يعيد تشكيل موازين القوة البحرية عالميًا.
تعكس الخطط الأمريكية الجديدة تحولًا استراتيجيًا عميقًا في فلسفة التصنيع العسكري، بين الحفاظ على الاستقلال الصناعي ومواكبة سباق التسلح العالمي. وبينما تواصل واشنطن دراسة خياراتها، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمثل الانفتاح على الخارج حلًا عمليًا، أم بداية لتراجع الهيمنة الصناعية الأمريكية؟
اقرأ أيضًا:





