
كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة شرق فنلندا أن ممارسة الرقص يمكن أن تُسهم في تخفيف أعراض الاكتئاب وتحسين المزاج وتعزيز الإحساس بالذات لدى المراهقات، مشيرةً إلى أن الرقص لا يقتصر على كونه نشاطاً فنياً أو بدنياً، بل يمثل وسيلة علاجية تساعد في فهم أعمق لجذور المشكلات النفسية، ونُشرت نتائج الدراسة يوم الخميس، في دورية (Narrative Works) المتخصصة.

الاكتئاب بين المراهقات.. مرحلة حرجة ومؤثرة
يُعدّ الاكتئاب من أكثر الاضطرابات النفسية انتشاراً بين المراهقات، وتزداد حدته في هذه المرحلة الحساسة من النمو النفسي والجسدي، ويُرجع الباحثون ذلك إلى تداخل عوامل متعددة، مثل التغيرات الهرمونية، وضغوط الدراسة، وصعوبات العلاقات الاجتماعية، فضلاً عن التأثيرات السلبية لمعايير الجمال والمقارنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وغالباً ما تظهر الأعراض على شكل انسحاب اجتماعي، أو فقدان الاهتمام بالأنشطة المفضلة، أو الشعور بالحزن المستمر وانخفاض الثقة بالنفس.

الرقص كعلاج تكميلي للاكتئاب
أشار الباحثون إلى أن العلاج بالرقص الحركي يُعدّ من الأساليب العلاجية الواعدة التي يمكن أن تكمل العلاج الطبي التقليدي، لما له من تأثيرات إيجابية على الحالة النفسية والهرمونية، فقد أظهرت دراسات سابقة أن هذا النوع من العلاج يُسهم في خفض هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والنورأدرينالين، ويزيد إفراز الدوبامين المرتبط بالشعور بالسعادة، كما يتيح للمشاركين التعبير عن الذات بطريقة إبداعية وغير لفظية، ويعزز الوعي الجسدي والاتصال بالمشاعر الداخلية.

تفاصيل الدراسة: سبع مراهقات وجلسات رقص ارتجالي
شملت الدراسة سبع مراهقات يعانين اكتئاباً خفيفاً إلى متوسط، حيث طُلب منهن المشاركة في جلسات رقص ارتجالي مخصّصة لتجسيد رؤيتهن لمستقبلهن الشخصي والعاطفي، واستخدم الباحثون تقنية التقاط الحركة ثلاثية الأبعاد (3D motion capture) لتوثيق أداء المشاركات وتحليل تطوره على مدار الدراسة، ما أتاح لهن رؤية أنفسهن من منظور خارجي وملاحظة التغيرات في حركاتهن وتعبيراتهن الجسدية.
اقرأ أيضًا:
سرطان الثدي.. أعراض تحذيرية وأنواع شائعة يجب معرفتها
نتائج إيجابية في احترام الذات والتعبير العاطفي
أظهرت النتائج تحسناً ملحوظاً في مستويات احترام الذات والوعي الجسدي، إلى جانب زيادة القدرة على التعامل مع المشاعر الداخلية، كما أشارت المراهقات إلى شعور أقوى بـ الانتماء والدعم الجماعي، وهو ما ساعد على تقليل الإحساس بالعزلة وتعزيز الثقة بالنفس.
وسجّل الباحثون كذلك تراجعاً في الأعراض الإدراكية المرتبطة بالاكتئاب، مثل الشعور بالعجز أو فقدان المعنى، إضافةً إلى تحسّن في التعبير غير اللفظي عن المشاعر عبر الحركة والإيماءات.

الفن كجسر بين الجسد والمشاعر
خلص الباحثون إلى أن تجربة الرقص مكّنت المراهقات من إعادة اكتشاف العلاقة بين الجسد والعاطفة، ومنحتهم فرصة للتفكير في قيمهن ومواقفهن الشخصية، ما ساعد على فهم أعمق لجذور معاناتهن النفسية.
وأكد الفريق البحثي أن أهمية النتائج تكمن في أنها تقدم نموذجاً علاجياً مبتكراً يجمع بين الفن والعلم، ويُعيد تعريف دور الجسد في معالجة الاضطرابات النفسية.
فالرقص بحسب الدراسة ليس مجرد نشاط بدني، بل وسيلة علاجية شاملة تدمج التعبير الإبداعي بالوعي الذاتي، وتساعد على بناء علاقة صحية ومتوازنة بين الإنسان ومشاعره.





