بريطانيا تعيد ضبط بوصلتها شرقًا| زيارة ستارمر لبكين تفتح آفاق شراكة إستراتيجية مع الصين

اتجهت أنظار المجتمع الدولي إلى العاصمة الصينية بكين، مع شروع رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر في زيارة رسمية تستمر ثلاثة أيام، دعا خلالها إلى بناء شراكة إستراتيجية شاملة بين بريطانيا والصين، في وقت يمر فيه العالم بـ”أوقات صعبة” تتسم بتصاعد الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية.
الزيارة التي وُصفت بالمفصلية، عكست توجّهًا بريطانيًا واضحًا نحو إعادة ضبط العلاقات مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وسط إشارات متبادلة من لندن وبكين إلى الرغبة في تجاوز سنوات من التوتر السياسي والانخراط في تعاون أوسع يقوم على المصالح المتبادلة.

قمة بكين: رسائل سياسية واقتصادية متعددة
في اليوم الثاني من الزيارة، عقد ستارمر قمة استمرت 80 دقيقة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في قاعة الشعب الكبرى، أعقبها غداء رسمي، في مشهد عكس دفئًا دبلوماسيًا لافتًا.
وقال ستارمر إن النقاش لم يقتصر على القضايا التجارية والاستثمارية، بل شمل أيضًا الثقافة والرياضة، في إشارة رمزية إلى السعي لبناء جسور ثقة أوسع بين البلدين.
ويأتي هذا الانفتاح في وقت تسعى فيه حكومة حزب العمال البريطاني إلى تحقيق نمو اقتصادي كانت قد تعهدت به، في ظل تباطؤ داخلي وضغوط خارجية متزايدة.
لماذا تمثل الصين أولوية لبريطانيا الآن؟
أكد رئيس الوزراء البريطاني، لدى وصوله إلى بكين، أن التحاور مع الصين يخدم المصلحة الوطنية البريطانية، مشددًا على أن الصين هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وباحتساب هونغ كونغ، تُعد ثالث أكبر شريك تجاري لبريطانيا
ورافق ستارمر وفد اقتصادي رفيع يضم نحو 50 شركة بريطانية تعمل في قطاعات حيوية مثل: الأدوية، وصناعة السيارات، والخدمات المالية، واستشهد رئيس الوزراء بخطة شركة أسترازينيكا لتوسيع استثماراتها الدوائية في الصين، باعتبارها نموذجًا للفوائد المتبادلة التي يمكن أن تحققها الشراكة الجديدة.

مكاسب ملموسة: ويسكي وتأشيرات واستثمارات
أسفرت الزيارة عن تقدم عملي في عدد من الملفات، من أبرزها:
خفض الرسوم الجمركية على صادرات الويسكي البريطاني إلى الصين من 10% إلى 5%
إعفاء المواطنين البريطانيين من التأشيرة الصينية للإقامات التي تقل عن 30 يومًا
تعزيز التعاون في التجارة، والاستثمار، والتكنولوجيا
وتضع هذه الخطوات بريطانيا في مصاف دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا وأستراليا التي تستفيد بالفعل من تسهيلات مماثلة.
السياسة وحقوق الإنسان: عقدة العلاقة المزمنة
رغم أجواء الانفتاح، لا تزال الخلافات السياسية تمثل عقبة محتملة أمام تعميق التعاون بين البلدين، فقد أثارت مساعي ستارمر للتقارب مع بكين انتقادات حادة من سياسيين بريطانيين وأمريكيين، يتهمون الصين بتنفيذ عمليات تجسس واسعة النطاق، وانتهاك حقوق الإنسان.
وكانت العلاقات قد تدهورت بشدة عقب احتجاجات هونغ كونغ عام 2019، إلى جانب مزاعم التجسس داخل المملكة المتحدة، ودعم الصين لروسيا في حرب أوكرانيا.
مع ذلك، شدد ستارمر على أن بناء علاقة أكثر نضجًا مع الصين لا يلغي الخلافات، بل يتيح مناقشتها عبر حوار مباشر وفعّال.

بكين ترد: شراكة طويلة الأمد بدل التقلبات
من جانبه، أقر الرئيس الصيني شي جين بينغ بأن العلاقات مع بريطانيا مرت بـ”تقلبات” لم تخدم مصالح أي من الطرفين، مؤكدًا استعداد بلاده لـتطوير شراكة طويلة الأمد.
وأشار إلى أن الصين وبريطانيا عضوان دائمان في مجلس الأمن الدولي، وكلاهما قوتان اقتصاديتان عالميتان، ودعا إلى تعزيز الحوار والتعاون في ملفات: الأمن الدولي والاقتصاد العالمي والتجارة الحرة.
كما حرص على تقديم الصين باعتبارها شريكًا موثوقًا ومدافعًا عن النظام التجاري الدولي، في مواجهة ما وصفه بـ”النزعة الأحادية والحمائية” المتصاعدة عالميًا.
هل تحمل الزيارة رسالة إلى ترمب؟
يرى مراقبون أن زيارة ستارمر لبكين تحمل رسائل غير مباشرة إلى واشنطن، في ظل تنامي القلق الأوروبي من عدم قابلية التنبؤ بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
وتأتي الزيارة في سياق تحركات مماثلة قام بها:
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي
رئيس وزراء كندا مارك كارني
قادة من كوريا الجنوبية وفنلندا
كما يُتوقع أن يزور المستشار الألماني فريدريش ميرتس الصين قريبًا.
بين واشنطن وبكين: معادلة بريطانية دقيقة
حرص ستارمر على التأكيد أن العلاقة مع الولايات المتحدة تبقى ركيزة أساسية، لا سيما في مجالات الدفاع والأمن والاستخبارات، مشددا في الوقت نفسه على أن تجاهل الصين لم يعد خيارًا واقعيًا، خاصة بعد أن طالت بريطانيا تداعيات حرب الرسوم الجمركية التي شنّها ترمب، رغم ما يُعرف بـ”العلاقة الخاصة” بين البلدين.

كما أثارت تهديدات ترمب بفرض رسوم تصل إلى 25% وملف غرينلاند قلقًا واسعًا داخل الأوساط البريطانية والأوروبية.
تعكس زيارة كير ستارمر إلى بكين تحولًا براغماتيًا في السياسة الخارجية البريطانية، يقوم على تنويع الشراكات الاقتصادية وعدم الارتهان لمحور واحد، في عالم يتجه نحو التعددية القطبية.
وبين الرغبة في النمو الاقتصادي، والحذر من الخلافات السياسية، تسعى لندن إلى موازنة دقيقة بين واشنطن وبكين، في خطوة قد تعيد رسم موقع بريطانيا في النظام الدولي خلال السنوات المقبلة.
اقرأ أيضًا:





