ابتزاز جديد بلغة رقمية.. كيف تسعى واشنطن لإخضاع أوروبا بلا رصاصة؟

حذرت صحيفة “إلباييس” الإسبانية من تصاعد ما وصفته بـ”الابتزاز الرقمي” الذي يمارسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد أوروبا، عبر النفوذ الواسع الذي يمتلكه على عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين مثل أمازون، مايكروسوفت، وجوجل، مشيرة إلى أن القارة العجوز قد تكون أمام خطر غير مسبوق يتمثل في “التعتيم الرقمي الأمريكي”، والذي قد يؤدي إلى فوضى اقتصادية وأمنية داخل الاتحاد الأوروبي.

خبير: ترامب يفتح بوابة “عصر كل شيء مباح”
وفي تقرير تحليلي للكاتب والخبير في الشؤون الأوروبية برناردو دي ميغيل، نُشر عبر صفحات الصحيفة، اعتبر أن ما يحدث الآن هو تدشين لحقبة جديدة من الابتزاز الجيوسياسي، قوامها التحكم في تدفق المعلومات والبنى التحتية الرقمية، مشيرًا إلى أن ترامب، بسياساته الأحادية، يرسل رسالة مفادها أن “كل شيء مباح” عندما يتعلق الأمر بفرض الإرادة الأمريكية.
وأضاف دي ميغيل أن أوروبا تقف حاليًا عارية رقميًا أمام واشنطن، بسبب اعتمادها شبه الكامل على الخدمات التكنولوجية الأمريكية، الأمر الذي يجعلها عرضة لأي قرار سياسي أمريكي مفاجئ، دون حماية قانونية أو بدائل تقنية فاعلة.
أرقام مقلقة عن الاعتماد الأوروبي على التكنولوجيا الأمريكية
وأشار التقرير إلى أن الوضع الحالي ينبئ بأزمة سيادة حقيقية، حيث تُخزن 92% من البيانات الأوروبية في مراكز بيانات أمريكية، بينما تهيمن شركات مثل أمازون ومايكروسوفت وجوجل على أكثر من ثلثي خدمات الحوسبة السحابية في أوروبا، ما يمنح واشنطن قدرة تقنية هائلة يمكن توظيفها لأغراض سياسية أو اقتصادية.
اقرأ أيضًا
ترامب: غواصاتنا النووية حيث يجب أن تكون تحسبًا لاستفزازات روسيا

ونبّه الكاتب إلى أن هذه الشركات، التي تُعد واجهة ناعمة للقوة الأمريكية، قد تتحول إلى أدوات ضغط شبيهة بالرسوم الجمركية، تُستخدم لمعاقبة دول، أو إجبارها على تنازلات سياسية واقتصادية، وهو ما بات مصدر قلق متزايد داخل الأوساط الأوروبية.
محاولات التهدئة لم تُفلح في تبديد القلق
ورغم محاولات مايكروسوفت وأمازون التخفيف من حدة القلق الأوروبي، عبر إنشاء ما يُعرف بـ”السُحب السيادية” – وهي خدمات رقمية تديرها شركات تابعة داخل أوروبا وتخضع لقوانينها – فإن الشكوك لا تزال قائمة، خصوصًا في ظل وجود سوابق استخدمت فيها البنية التحتية الرقمية الأمريكية كوسيلة للضغط السياسي.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث مع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، الذي تم حرمانه من الوصول إلى بريده الإلكتروني المُدار من قبل شركة أمريكية، عقب فتحه تحقيقًا بشأن جرائم حرب إسرائيلية، وهو ما رأى فيه الأوروبيون سابقة خطيرة تهدد استقلال مؤسسات العدالة الدولية.
تحرك برلماني أوروبي لمواجهة “الاحتلال الرقمي”
التحذيرات لم تعد حكرًا على الإعلاميين والمحللين، فقد انتقلت إلى أروقة البرلمان الأوروبي. ففي يونيو الماضي، وافقت لجنة الصناعة على مشروع قرار ندد صراحةً بالاعتماد المفرط على التكنولوجيا الأمريكية، معتبراً إياه تهديدًا للأمن الاقتصادي والسياسي والسيادة الرقمية للاتحاد الأوروبي.
وجاء في نص القرار أن “الاتحاد الأوروبي يعتمد بشكل مفرط على بنية تحتية رقمية أجنبية، ما يُضعف قدرته الاستراتيجية، ويُعرّض بياناته ومؤسساته الحساسة لتدخلات خارجية، تخضع لقوانين أمريكية تتجاوز الحدود الوطنية”.

في ضوء هذه التحذيرات، تتزايد الدعوات داخل أوروبا لإنشاء منظومة رقمية مستقلة وذات سيادة، تشمل مراكز بيانات محلية، وأنظمة تشغيل أوروبية، وقوانين صارمة لحماية البيانات من السيطرة الأجنبية.
لكن الخبراء يحذرون من أن الخروج من الهيمنة الرقمية الأمريكية لن يكون سهلاً أو سريعًا، نظرًا لتفوق الشركات الأمريكية في مجالات الابتكار، وانتشار منتجاتها بشكل شبه كلي في المؤسسات والشركات والمجتمعات الأوروبية.





