سوريا بعد الأسد.. مشاركة الشرع في قمة موسكو تحمل دلالات سياسية ورسائل استراتيجية

في خطوة تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية كبرى، أعلن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، الثلاثاء، من العاصمة السورية دمشق، أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع سيشارك الشهر المقبل في قمة عربية روسية مقررة في موسكو خلال أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
وتُعدّ هذه الزيارة الأولى من نوعها على هذا المستوى منذ سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، ما يمنحها بعدًا رمزيًا وسياسيًا بالغ الأهمية.

موسكو ودمشق تفتحان صفحة جديدة
قال نوفاك، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، إن موسكو تولي أهمية قصوى للزيارة المرتقبة، معتبرًا أنها ستسهم في “فتح صفحات جديدة في العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون”.
ويأتي هذا الإعلان بعد سلسلة من التحركات الدبلوماسية التي أعقبت إطاحة الأسد في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، حيث كانت روسيا لعقود الداعم الأكبر لنظام الأسد سياسيًا وعسكريًا. فقد تدخلت موسكو بشكل مباشر عام 2015 عبر قواتها الجوية والبرية، مما ساعد في قلب موازين القوى لصالح الأسد على جبهات عدة.
لكن مع تغيّر السلطة في دمشق وانتقالها إلى عهد الشرع، بدا واضحًا أن روسيا تسعى إلى إعادة التموضع بما يحفظ مصالحها الاستراتيجية، لاسيما في ما يتعلق بقاعدتيها العسكرية في طرطوس وحميميم، وهما القاعدتان الوحيدتان لها خارج نطاق الاتحاد السوفياتي السابق.
الشرع في موسكو.. خطاب تصالحي ورسائل انفتاح
من جهته، شدّد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني على أن سوريا “تفتح صفحة جديدة” في علاقاتها مع روسيا، مؤكدًا أن أي وجود أجنبي على الأراضي السورية “يجب أن تكون غايته مساعدة السوريين في بناء مستقبلهم”.

ورحّب الشيباني بالشراكات الاقتصادية، داعيًا موسكو إلى دعم خطط إعادة الإعمار، في وقت تواجه فيه البلاد أزمات إنسانية واقتصادية خانقة، إلى جانب تصاعد التوترات الطائفية والغارات الإسرائيلية المتكررة.
السلطات السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع اعتمدت خطابًا مختلفًا عن مرحلة الأسد، يقوم على المرونة والانفتاح مع القوى الدولية والإقليمية، مع الحفاظ على ثوابت السيادة ووحدة الأراضي السورية.
اقرأ أيضًا:
اتفاق نووي في القاهرة.. إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية يتوصلان لتفاهم جديد بوساطة مصرية
دور روسيا بين الوساطة والمصالح
إلى جانب الإعلان عن القمة، أشار نوفاك إلى أن روسيا تجري اتصالات مع إسرائيل ومع مختلف المكونات السورية، مؤكدًا أن بلاده “يمكن أن تلعب دورًا في الاستقرار”. كما لفت إلى أن موسكو تناقش مع شركائها، وعلى رأسهم قطر، قضايا المساعدات الإنسانية وإعادة بناء البنى التحتية للطاقة في سوريا.
هذا التوجه يعكس رغبة روسيا في تقديم نفسها كوسيط إقليمي قادر على مخاطبة مختلف الأطراف، في وقت لا تزال فيه تحافظ على مصالحها الجيوسياسية في سوريا والمنطقة.

دلالات المشاركة في القمة العربية الروسية
مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع في القمة المقبلة بموسكو تمثل حدثًا لافتًا على أكثر من مستوى:
رسالة سياسية: تؤكد أن دمشق الجديدة تسعى إلى تثبيت شرعيتها إقليميًا ودوليًا عبر الانخراط في محافل كبرى.
بعد استراتيجي: تمنح موسكو فرصة لإعادة صياغة علاقتها بسوريا بعد الأسد، مع التأكيد على استمرار نفوذها العسكري والسياسي.
فرصة اقتصادية: تمهّد الطريق أمام مشاريع مشتركة في مجالات الطاقة والبنى التحتية، وسط حاجة سوريا الماسة لإعادة الإعمار.
بعد إقليمي: المشاركة السورية في قمة عربية روسية تحمل دلالة على عودة دمشق التدريجية إلى المحيط العربي بعد سنوات من العزلة.
تشكّل قمة موسكو العربية الروسية المقبلة محطة مفصلية في مسار العلاقات بين دمشق وموسكو، كما تعكس ملامح السياسة الخارجية السورية في عهد أحمد الشرع، القائمة على إعادة التوازن والانفتاح بعد ربع قرن من حكم الأسد.
وفي حين تفتح هذه المشاركة الباب أمام شراكات اقتصادية وسياسية جديدة، فإنها في الوقت ذاته تحمل رسائل واضحة بأن سوريا بعد الأسد تسعى للعودة إلى المسرح الإقليمي والدولي كلاعب فاعل، لكن ضمن معادلات جديدة قد ترسم مستقبلها السياسي والاستراتيجي في السنوات المقبلة.





