دراسة أمريكية: الشجارات العائلية والتنمر من أبرز أسباب تدهور الصحة النفسية لدى المراهقين

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في كلية الطب بجامعة واشنطن بالولايات المتحدة، ونُشرت في منتصف سبتمبر الماضي في مجلة «نيتشر – الصحة النفسية» (Nature Mental Health)، أن الفشل الاجتماعي وخصوصاً الخلافات الأسرية والتنمر بين الأقران يعد من أقوى العوامل المؤثرة سلباً على الصحة النفسية للمراهقين على المدى القريب والبعيد.

أزمة متنامية في الصحة النفسية للمراهقين
تُعد تدهور الصحة النفسية لدى المراهقين الأمريكيين من أبرز التحديات التي تواجه النظام الصحي في البلاد، إذ تشير التقديرات إلى أن واحداً من كل خمسة مراهقين يعاني سنوياً من اضطرابات نفسية، فيما يُعد الانتحار ثاني أبرز أسباب وفاة المراهقين بعد الحوادث.
وترتبط هذه المشكلات بعدة عوامل، منها الوراثة والبيئة وأحداث الحياة الصادمة، بالإضافة إلى الإصابة بأمراض عضوية مزمنة، ويؤكد الباحثون أن تداخل هذه العوامل يزيد من سوء الحالة النفسية، ما يجعل التنبؤ بالمراهقين الأكثر عرضة للمشكلات النفسية خطوة أساسية للوقاية المبكرة.

تحليل شامل لبيانات أكثر من 11 ألف طفل
اعتمد الباحثون على بيانات من دراسة سابقة بعنوان «التطور المعرفي لمخ المراهقين» (ABCD)، وهي دراسة طويلة الأمد تابعت أكثر من 11 ألف طفل أمريكي تتراوح أعمارهم بين 9 و16 عاماً من مختلف الولايات.
واشتملت البيانات على اختبارات نفسية وفحوص عصبية وتاريخ عائلي للأمراض النفسية، واستخدم الفريق البحثي نماذج حاسوبية متقدمة للتنبؤ بأعراض الصحة النفسية الحالية والمستقبلية.
وركز العلماء على 963 مؤشراً للصحة النفسية مقسّمة إلى تسع فئات، منها العلاقات الأسرية، والعوامل البيئية والمدرسية، والديموغرافية، والعوامل العصبية، مع الاستعانة بتقنيات تصوير الدماغ مثل الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI).

الصراعات الأسرية والتنمر.. مؤشرات قوية للخطر
أظهرت نتائج الدراسة أن الصراعات داخل الأسرة مثل الشجارات بين الوالدين والنقد المتكرر بين أفراد العائلة كانت من أقوى المؤشرات على زيادة احتمال الإصابة بالاكتئاب والقلق والمشكلات السلوكية، وفي المقابل، كانت بيانات التصوير العصبي أقل قدرة على التنبؤ باضطرابات الصحة النفسية مقارنة بالعوامل الاجتماعية والعائلية.

اختلافات بين الجنسين في التأثر
كشفت الدراسة أن الفتيات أكثر عرضة لتدهور الصحة النفسية من الفتيان، كما كانت أعراض القلق والحزن أو المشكلات السلوكية أكثر حدة واستمرارية لديهن.
وأوضحت النتائج أن أنماط التنمر تختلف بين الجنسين؛ إذ تتعرض الفتيات أكثر إلى العزلة والنميمة والتنمر غير المباشر، بينما يواجه الفتيان التنمر الجسدي واللفظي بدرجة أكبر، ما ينعكس سلباً على حالتهم النفسية.
اقرأ أيضًا:
الرقص وسيلة فعّالة لتخفيف الاكتئاب لدى المراهقات
التغيرات العضوية في الدماغ ودورها في الاضطرابات المزمنة
بيّنت الدراسة أن الأطفال الذين يعانون من اضطرابات نفسية مزمنة مثل الذهان واضطرابات الإدراك أظهروا تغيرات عضوية واضحة في بنية المخ، من أبرزها انخفاض في سمك القشرة المخية وحجمها، إلى جانب ضعف في القدرات الإدراكية بمرور الوقت.
كما لاحظ الباحثون أن الضغوط البيئية المستمرة، مثل الضائقة المالية أو العيش في أحياء غير آمنة، قد تُحدث تغيرات فعلية في الدماغ تجعل الطفل أكثر عرضة للأفكار غير الواقعية والاضطرابات النفسية الحادة مستقبلاً.

دعوة إلى الوعي والتدخل المبكر
أكد الباحثون أن رفع الوعي بالعوامل الاجتماعية والبيئية المؤثرة في الصحة النفسية للمراهقين يمثل خطوة محورية في الكشف المبكر والتدخل الوقائي، وشددوا على أهمية دور الآباء والمعلمين والأطباء في رصد العلامات الأولى للاضطرابات النفسية والتعامل معها قبل تفاقمها.





