فرنسا تُنهي وجودها العسكري الدائم في السنغال…تسليم آخر قاعدة فرنسية بدكار وبداية مرحلة شراكة جديدة

سلّمت فرنسا رسميًا، الخميس، آخر قواعدها العسكرية في السنغال خلال مراسم أُقيمت في العاصمة دكار، في خطوة تُجسّد نهاية أكثر من ستة عقود من الوجود العسكري الفرنسي الدائم في البلاد، وتمثّل كذلك ختام الوجود الدائم لباريس في معظم غرب ووسط أفريقيا. يأتي ذلك ضمن إعادة تموضع أوسع للقوات الفرنسية في القارة، بعد سلسلة انسحابات متتابعة من دول الساحل التي تشهد تصاعدًا في الهجمات الإرهابية وعدم الاستقرار—من مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر، مرورًا بتحولات في الغابون وتشاد.
جيبوتي… آخر قاعدة فرنسية دائمة بالقارة
مع اكتمال تسليم القاعدة في دكار، تُصبح جيبوتي — الدولة الواقعة في القرن الأفريقي — الموقع الأفريقي الوحيد الذي يحتفظ بوجود عسكري فرنسي دائم. وتخطط باريس لأن تتحوّل قاعدتها هناك، والتي تضم نحو 1500 جندي، إلى مركزها الرئيس للانتشار والتنسيق العسكري في أفريقيا خلال المرحلة المقبلة.
مراسم التسليم في دكار: “نقطة تحول” في تاريخ عسكري مشترك
أُقيمت مراسم رسمية صباح الخميس في دكار بحضور الجنرال مبايي سيسي رئيس أركان القوات المسلحة السنغالية، والجنرال باسكال ياني قائد التمركزات العسكرية الفرنسية في أفريقيا. ووصف سيسي المناسبة بأنها “نقطة تحول مهمة في التاريخ العسكري الطويل بين البلدين”، مشيرًا إلى أن الخطوة جاءت بعد أشهر من محادثات ودية انتهت بالاتفاق على إعادة آخر قاعدتين عسكريتين لسيادة الدولة السنغالية. وأضاف أن الجيشين حددّا بالفعل أهدافًا جديدة لتعزيز الشراكة الأمنية المستقبلية.

من جانبه، أكد ياني أن العلاقة مع السنغال تبقى “خاصة وضرورية” لدول المنطقة، معبّرًا عن فخره بإنجاز المهمة. وقال إن فرنسا تُجري “تغييرًا هيكليًا لوجودها في أفريقيا”، مضيفًا: “علينا أن نعيد صياغة شراكاتنا… ولم نعد بحاجة إلى قواعد دائمة لتحقيق ذلك”.
جذور الوجود الفرنسي في السنغال: من الاستقلال إلى إعادة التموضع
بدأ الوجود العسكري الفرنسي المنظّم في السنغال عام 1960، بالتزامن مع استقلال البلاد. وارتكز على اتفاقات دفاع وتعاون ثنائية شملت دعمًا لبناء الجيش السنغالي ما بين 1960 و1974.
- عام 1974: تأسست قوة «القوات الفرنسية في الرأس الأخضر» كمظلة عسكرية إقليمية.
- عام 2011: أعيدت هيكلة الوجود وتحولت القوة إلى ما عُرف لاحقًا بـ «العناصر الفرنسيين في السنغال» — تشكيل غير قتالي يضم مستشارين ومدرّبين.
- عام 2012: وُقّعت معاهدة تعاون عسكري جديدة كرّست انتقال مسؤولية الدفاع الترابي بالكامل إلى القوات السنغالية، مع استمرار الشراكة التدريبية واللوجستية.
حتى موعد التسليم الأخير، بلغ عديد العناصر الفرنسية في البلاد نحو 350 فردًا، وكانت مهمتهم الأساسية التدريب والشراكات العملياتية مع القوات السنغالية، وليس إدارة عمليات قتالية مباشرة.
مسار الانسحاب: من مارس إلى يوليو
أطلقت فرنسا عملية الانسحاب التدريجي في مارس الماضي، وبدأت بإعادة منشآت عسكرية إلى القوات السنغالية على مراحل. شمل ذلك معسكر غاي في منطقة أواكام بدكار، حيث كان يتموضع مركز قيادة مشترك وهيئات للتعاون الإقليمي. ومع اكتمال تسليم هذه المواقع، أُغلق آخر فصل للوجود الفرنسي الدائم على الأراضي السنغالية.

السنغال تعيد صياغة علاقتها مع فرنسا : “شراكة بسيادة كاملة”
على الرغم من العلاقة التاريخية الوثيقة، تبنّت القيادة السنغالية الجديدة — التي تولّت السلطة في أبريل 2024 — خطابًا أكثر وضوحًا حول المعاملة الندّية مع القوى الأجنبية. وفي نوفمبر 2024 أعلن الرئيس باسيرو ديومايي فايي أن بلاده ستُنهي الوجود العسكري الأجنبي (بما فيه الفرنسي) بحلول عام 2025، مؤكّدًا: “السنغال دولة مستقلة وذات سيادة… والسيادة لا تسمح بوجود قواعد عسكرية دائمة”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الخطوة ليست قطيعة مع فرنسا، بل انتقال إلى “شراكة متجددة” تقوم على التدريب، تبادل المعلومات، والدعم عند الطلب.
إعادة الانتشار الفرنسي في أفريقيا: من الساحل إلى البحر
خسرت فرنسا مواقعها العسكرية الموروثة من مرحلة “الحرب على الإرهاب” في منطقة الساحل بعد موجة الانقلابات خلال الأعوام 2020–2023 في:
- مالي
- بوركينا فاسو
- النيجر
كما خُفّض وجودها في تشاد وأُعيد تنظيمه في الغابون ليصبح معسكرًا مشتركًا للتدريب بدلاً من تمركز قتالي. وفي الوقت نفسه، واجهت باريس ضغوطًا في أفريقيا الوسطى حيث استقدمت السلطات دعمًا أمنيًا روسيًا (بما في ذلك عناصر من مجموعة «فاغنر» سابقًا).
هذا التراجع الجغرافي يقابله تركيز متزايد على جيبوتي كنقطة ارتكاز، وعلى شراكات عسكرية مرنة بدل التموضع الدائم بقواعد ثقيلة.
ملامح الشراكة الأمنية الجديدة
مع زوال الوجود الدائم، يتحول التعاون الفرنسي–السنغالي إلى صيغ أخف تشمل:
- برامج تدريب عسكري متبادل.
- بناء القدرات البحرية وحماية السواحل.
- التنسيق في مكافحة الإرهاب الإقليمي.
- دعم تقني ولوجيستي عند الطلب.
- مناورات مشتركة محدودة الزمن والمكان بدل انتشار دائم.
هذه المقاربة تسمح للسنغال بتعزيز سيادتها، وفي الوقت نفسه تُبقي قناة تعاون مفتوحة مع فرنسا — قوة لا تزال فاعلًا مهمًا في الأمن البحري وفي دعم الجيوش الأفريقية المحترفة.

في السياق الإقليمي الأوسع: ساحل مضطرب وتحولات نفوذ
يتزامن الانسحاب مع تصاعد العنف المتطرف في مالي ووصوله أحيانًا إلى مناطق قريبة من الحدود السنغالية، إضافة إلى نشاط الجماعات المسلحة في بوركينا فاسو والنيجر. انسحاب القوات الغربية التقليدية فتح المجال أمام لاعبين جدد، خاصة روسيا التي عززت حضورها الأمني عبر شركات شبه عسكرية واتفاقات ثنائية. هذا التحول يدفع دول غرب أفريقيا إلى تنويع شراكاتها الدفاعية بين الشرق والغرب، مع تأكيد خطاب السيادة الوطنية.
تابع ايضًا..الحوثيون يعلنون عن هجمات عسكرية ضد إسرائيل وإغلاق ميناء إيلات يهدد الاقتصاد





