عربية ودوليةعاجل

هدنة هشة بين أمريكا وإيران| كيف قاد تقاطع مصالح ترامب ونتنياهو إلى مأزق استراتيجي؟

بعد أسابيع من التصعيد العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة وإيران، دخلت الأزمة مرحلة من التهدئة النسبية، وُصفت بأنها “هدنة هشة” لا تعكس نهاية الصراع بقدر ما تؤشر إلى توقف مؤقت في مسار مفتوح على احتمالات التصعيد.

غير أن هذا الهدوء الظاهري يخفي وراءه مشهداً أكثر تعقيداً، يتمثل في طبيعة العلاقة المتقلبة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي لعبت دوراً محورياً في دفع المنطقة نحو مواجهة لا يمتلك أي من الطرفين تصوراً واضحاً لإنهائها.

تصعيد عسكري متبادل بين إسرائيل وإيران وسط هجمات صاروخية وغارات جوية مكثفة
تصعيد عسكري متبادل بين إسرائيل وإيران

نتنياهو وديناميكيات الدفع نحو التصعيد

تقدم تحليلات في الصحافة البريطانية، خاصة عبر صحيفة آي بيبر، قراءة تعتبر أن نتنياهو لم يكن مجرد حليف في التصعيد، بل أحد أبرز مهندسيه.

ويعيد هذا التقييم إلى تجربة غزو العراق 2003، حيث روّج نتنياهو آنذاك لفكرة أن إسقاط النظام العراقي سيضعف إيران، إلا أن النتائج جاءت معاكسة، إذ تعزز نفوذ طهران وازدادت الفوضى الإقليمية دون العثور على أسلحة دمار شامل.

وبحسب هذه القراءة، أعاد نتنياهو توظيف المنطق ذاته في الأزمة الحالية، عبر الضغط على الإدارة الأمريكية لشن ضربات ضد إيران، مستنداً إلى فرضيات تفيد بأن العمل العسكري سيقضي على قدراتها الصاروخية ويحد من تهديدها الإقليمي، بل ويفتح الباب أمام تغيير النظام.

 

ترامب: شريك في القرار لا تابع له

على الجانب الآخر، لا يُنظر إلى دونالد ترامب باعتباره منقاداً خلف نتنياهو، بل شريكاً كاملاً في صياغة القرار.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

فقد تجاهل اعتراضات داخلية، وتبنى خيار التصعيد انطلاقاً من قناعة بإمكانية تحقيق نصر سريع فيما عُرف بـ”رهان الحرب القصيرة”.

غير أن هذا الرهان اصطدم بواقع ميداني أكثر تعقيداً، حيث أظهرت إيران قدرة على الصمود، رغم الفجوة الكبيرة في القدرات العسكرية، ما أدى إلى دخول واشنطن في مأزق استراتيجي متصاعد.

 

مضيق هرمز: نقطة الاشتعال العالمية

أحد أبرز تداعيات التصعيد كان تهديد الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُعد شرياناً رئيسياً لتدفق النفط والتجارة العالمية.

وقد أدى التوتر في هذا الممر الحيوي إلى اضطراب أسواق الطاقة، وارتفاع أسعار النفط، مع تصاعد المخاوف بشأن سلاسل الإمداد العالمية، ما جعل الأزمة تتجاوز حدودها الإقليمية لتصبح قضية ذات تأثير عالمي مباشر.

نتائج محدودة وتحديات مستمرة

رغم كثافة العمليات والتصعيد، لم تحقق الأهداف المعلنة، حيث لا تزال حركة حماس فاعلة في غزة، ويواصل حزب الله إطلاق الصواريخ من لبنانـ وتحتفظ إيران بقدراتها النووية ومخزون اليورانيوم المخصب.

في المقابل، يواجه نتنياهو ضغوطاً متزايدة، تشمل اتهامات مرفوعة أمام المحكمة الجنائية الدولية، ما يعكس تعقيد وضعه السياسي والقانوني.

 

تراجع الصورة الدولية للولايات المتحدة وإسرائيل

تشير التحليلات إلى أن التصعيد أضر بمكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية، وأضعف شبكة تحالفاتها، في وقت تشهد فيه صورة إسرائيل تراجعاً ملحوظاً في الغرب.

وتدعم هذه الفرضية بيانات صادرة عن مركز بيو للأبحاث، أظهرت تحولاً في الرأي العام الأمريكي والأوروبي نحو مواقف أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية.

 

مأزق ترامب: حرب بلا استراتيجية خروج

تركز تحليلات صحيفة الغارديان على التحدي الأكبر الذي يواجه دونالد ترامب، والمتمثل في غياب استراتيجية واضحة للخروج من أزمة حرب إيران.

فالرئيس الأمريكي، بحسب هذه القراءة، لا يرغب في استمرار الحرب، لكنه في الوقت ذاته يفتقر إلى تصور عملي لإنهائها.

وقد انعكس ذلك في التناقض بين التصعيد العسكري والتراجع السياسي خلال فترات قصيرة، ما يعكس حالة من الارتباك في إدارة الأزمة.

 

أوروبا من الحياد إلى الانخراط

في بداية الأزمة، سعت الدول الأوروبية إلى النأي بنفسها عن الصراع، إلا أن تداعياته الاقتصادية، خاصة في مجالات الطاقة والتجارة، أجبرتها على إعادة النظر في موقفها.

وأصبحت أوروبا أكثر انخراطاً في الجهود الدبلوماسية، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب الأسواق، بجانب تهديد سلاسل الإمداد، ما يؤكد أن الصراع لم يعد إقليمياً، بل تحول إلى أزمة عالمية متعددة الأبعاد.

 

علاقة معقدة.. تبادل أدوار لا قيادة

تكشف تطورات الأزمة أن العلاقة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو لا تقوم على قيادة أحادية، بل على تبادل أدوار ضمن مسار واحد:

نتنياهو يدفع نحو التصعيد بدوافع سياسية داخلية ورغبة في الحسم

ترامب يتبنى هذا المسار لتعزيز صورته كقائد قوي لا يتراجع

لكن هذا التلاقي لا يؤدي إلى حسم الصراع، بل يسهم في تعقيده وإطالة أمده.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو “الهدنة الهشة” مجرد محطة مؤقتة في مسار صراع مفتوح، تزداد فيه التكاليف السياسية والاقتصادية على جميع الأطراف.

ومع غياب استراتيجية واضحة للحل، واستمرار تضارب المصالح، يبقى المستقبل مرهوناً بقدرة القوى الفاعلة على كسر دائرة التصعيد، أو الاستمرار في إعادة إنتاج أزمات جديدة بثمن أعلى على المنطقة والعالم.

اقرأ أيضًا:

إيطاليا تعلق اتفاقية التعاون الدفاعي مع إسرائيل| ولابيد يصف القرار بـ”الفشل المحرج” لنتنياهو

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى