لبنان على حافة اختبار مصيري| انقسام سياسي حول مسار التفاوض ونزع سلاح حزب الله وسط استنفار إسرائيلي

تتصاعد حدّة التوتر السياسي والأمني في لبنان مع بروز تباين واضح في المواقف الرسمية والحزبية بشأن مستقبل العلاقة مع إسرائيل، وخيارات التعامل مع الضغوط الدولية المتزايدة لنزع سلاح حزب الله جنوبي نهر الليطاني، وبين دعوات رئيس الجمهورية جوزيف عون لاعتماد التفاوض خياراً وحيداً، وإصرار الحزب على رفض التنازل أو الاستسلام، يقف لبنان أمام مرحلة مفصلية تهدد باستنزاف استقراره الداخلي وإعادة شبح الحرب.
ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار الانقسام الداخلي بين الداعين إلى التهدئة والرافضين لأي تفاوض قبل تنفيذ شروط الحزب، إلى شلل في القرار اللبناني وإضعاف موقفه في أي مفاوضات مقبلة حول الأمن والحدود. ومع اقتراب انتهاء المهلة المحددة لنزع السلاح جنوب الليطاني، تتزايد المخاوف من أن تتحول الضغوط السياسية إلى انفجار أمني واسع.

دعوات رئاسية للتفاوض: “مصلحة لبنان أولاً”
أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن التفاوض يمثّل السبيل الوحيد لحماية لبنان من الانزلاق نحو مواجهة واسعة، مشدداً على أن “لغة التفاوض أهم من لغة الحرب التي رأينا ماذا فعلت بنا”.
وأشار في بيان صادر عن الرئاسة اللبنانية إلى أن أساس أي سياسة ناجحة يكمن في ثلاثة عناصر: الدبلوماسية والاقتصاد والحرب، معتبراً أن النهاية في كل الأحوال تكون طاولة التفاوض، “فالتفاوض لا يكون مع حليف بل مع عدو”.
ودعا عون القوى السياسية والأمنية والدينية إلى تغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الفئوية والطائفية، متوقعاً تحقيق نمو اقتصادي يصل إلى 5% بنهاية العام الجاري إذا ما تمضي الحكومة في خطط الإصلاح.
ورأى أن التغلب على الانقسامات الداخلية يمنح لبنان فرصة للنهوض، قائلاً: “يمكننا الوصول إلى الهدف بسهولة عبر الخروج من الزواريب التي دمرت البلد من دون سبب”.

حزب الله يرفض التنازلات: “لن نستسلم”
في المقابل، جدّد نواب حزب الله رفضهم أي حديث عن التنازل أو الاستسلام. وقال النائب حسين الحاج حسن: “لن نستسلم ولن نتنازل… بعض اللبنانيين يستعجلون تقديم التنازلات، وهذا غير وارد في قاموسنا”.
وشدد على أن أي مناقشة للاستراتيجية الدفاعية الوطنية لا يمكن أن تبدأ قبل التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار والانسحاب من النقاط الخمس الحدودية، إضافة إلى إطلاق الأسرى بلا مقابل.
كما انتقد النائب حسين جشي التعاطي اللبناني مع الموفدين الأميركيين باعتبارهم وسطاء، معتبراً أن واشنطن تمارس ضغوطاً على لبنان دون أن تفرض أي التزام على إسرائيل.
نزع سلاح حزب الله “قرار معقّد ومخاطر كبيرة”
مع اقتراب انتهاء المهلة المحددة لنزع سلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني، تتزايد الضغوط الدولية، خصوصاً الأميركية، بهدف حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. غير أن الحزب يرفض بشكل قاطع أي خطوة من هذا النوع، معتبراً أنها “تصب في خدمة المصالح الإسرائيلية”.

ويحذّر محللون من أن فرض نزع السلاح بالقوة قد يقود إلى انهيار السلم الأهلي، ويعيد لبنان إلى أجواء الانقسام الطائفي التي طبعته لعقود.
إسرائيل تستنفر على الحدود الشمالية
ذكرت صحيفة معاريف أن الجيش الإسرائيلي يستعد لسيناريوهات متعددة على الجبهة الشمالية، في ظل رصد نشاط متزايد لحزب الله في مناطق تشمل شمال الليطاني والبقاع وجنوب بيروت.
ووفق الصحيفة، يعمل الحزب على إعادة تأهيل قوة “الرضوان” الهجومية، وإخراج أسلحة مخزنة كانت إسرائيل قد استهدفتها سابقاً.
ويقوم مبدأ العمل الإسرائيلي، بحسب ما نقلت “معاريف”، على استراتيجية تقول: “منع أي طرف معادٍ من تعزيز قدراته العسكرية قرب الحدود”.
من جانبه، لوّح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتوسيع نطاق الضربات قائلاً: “بيروت ستكون هدفاً إذا امتدت يد الحزب إلى أي بلدة في الشمال”.
وفي السياق ذاته، كشفت القناة الإسرائيلية 12 أن الجيش في حالة استنفار قصوى تحسباً لتصعيد محتمل خلال الأسابيع المقبلة، تزامناً مع استمرار الغارات التي تقول تل أبيب إنها تستهدف بنى عسكرية وعناصر مرتبطة بالحزب.
وسبق أن أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أربعة أفراد من قوة النخبة التابعة للحزب خلال عملية في الجنوب.

ضغوط أميركية متزايدة
تؤكد مصادر سياسية أن الولايات المتحدة تكثّف جهودها للضغط على الحكومة اللبنانية من أجل تنفيذ قرار نزع سلاح حزب الله. وترى واشنطن أن استقرار لبنان لن يتحقق ما دام السلاح خارج سلطة الدولة.
غير أن المشهد الداخلي يبدو أكثر تعقيداً؛ فبينما تبدو الدولة عاجزة عن فرض قراراتها، يصرّ الحزب على موقفه، معتبراً أي تحرك لنزع سلاحه تنفيذاً لإملاءات أميركية – إسرائيلية.
يدخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية دقيقة في ظل استمرار التباينات الداخلية حول التفاوض، الاستراتيجية الدفاعية، ونزع السلاح. ومع اقتراب نهاية المهلة الأممية الخاصة بالجنوب، وبين دعوات للحوار وتحذيرات من الحرب، تتسارع التطورات على وقع تحركات إسرائيلية مكثفة ووساطات دولية لا تزال دون نتيجة واضحة.
قد تكون الأسابيع المقبلة بمثابة ساعة الصفر لاختبار قدرة الدولة اللبنانية على توحيد قرارها وحماية أمنها، أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع قد تعيد البلاد إلى دائرة الدم والدمار.
في ظل تباين المواقف بين الرئاسة اللبنانية وحزب الله، وضغوط دولية وإقليمية متزايدة، يبدو لبنان مقبلاً على استحقاق مصيري يضعه أمام خيارين: إما تسوية سياسية تحفظ استقراره الأمني، وإما انزلاق نحو مواجهة مدمرة تعيد البلاد إلى أجواء الحرب.
وبين هذين الخيارين، تبقى وحدة الموقف اللبناني وتغليب المصلحة الوطنية فوق الحسابات الفئوية، عوامل حاسمة تمنع انهيار الدولة وتضمن عبور لبنان إلى برّ الأمان.
اقرأ أيضًا:
موجة جفاف تاريخية في طهران| وتحذيرات من نفاد مياه الشرب خلال أسبوعين





