زيلينسكي: بوتين يخوض حرباً لإعادة ترسيم النظام الدولي وسقوط بوكروفسك قد يكون نقطة تحوّل

أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الخميس، عن زيارته لجنوده المرابطين في منطقة زابوريجيا جنوب شرق البلاد، حيث تشير تقارير روسية إلى تحقيق تقدم ميداني.
وقال زيلينسكي عبر حسابه على «تلجرام»: «ناقشت مع العسكريين القرارات اللازمة لتعزيز الدفاعات»، مضيفاً أنه استمع إلى تقرير حول وضع العمليات في المنطقة، وتحركات العدو، والخسائر في صفوف القوات الروسية.
تأتي هذه الزيارة في ظل فضيحة فساد في قطاع الطاقة أدت إلى استقالة وزيرين، وعقوبات فرضها زيلينسكي على أحد المقربين منه.

في المقابل، أعلن الجيش الأوكراني عن ضرب محطة نفط روسية في شبه جزيرة القرم المحتلة ومستودع نفط في زابوريجيا، رغم أن جبهة زابوريجيا أقل سخونة مقارنة بالجبهة الشرقية حيث تتركز المعارك حالياً.
وسبق أن أعلن الجيش الروسي توسيع سيطرته على هذه المنطقة، بعد أن استقرت خطوط الجبهتين منذ عامين تقريباً.
الجبهة الشرقية: بوكروفسك عقدة استراتيجية
تركز المعارك في الجبهة الشرقية حول مدينة بوكروفسك، التي تعتبر عقدة استراتيجية مهمة. وتمكن مئات الجنود الروس من التسلل إلى المنطقة خلال الأسابيع الماضية، ما أدى إلى إضعاف الدفاعات الأوكرانية.
مع احتمالية سقوط المدينة، تتجه أنظار العواصم الغربية لمعرفة تأثير هذا التطور على ميزان الحرب الروسية-الأوكرانية ومستقبل أي تسوية سياسية محتملة.

بوكروفسك، التي كانت بوابة دفاع رئيسية عن إقليم دونيتسك لسنوات، أصبحت اليوم رمزاً لمعركة استنزاف طويلة تؤثر على الطرفين، لكنها تمنح موسكو ميزة تفاوضية في أي حوار مستقبلي حول السلام.
موسكو ترى الوقت في صالحها
أكد المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، أن كييف «ستضطر عاجلاً أم آجلاً للتفاوض»، مشيراً إلى أن موقفها التفاوضي يزداد ضعفاً يوماً بعد يوم.
ومع استمرار الهجمات الروسية في جبهتي زابوريجيا ودونيتسك، يرى مراقبون أن السيطرة على بوكروفسك ستكون أكبر مكسب ميداني لموسكو منذ سقوط باخموت عام 2023، ما يعيد الزخم لمشروع بوتين الأوسع في استعادة النفوذ الروسي على كامل أوكرانيا.

حرب تتجاوز الحدود الجغرافية
يرى مايكل روبين، كبير الباحثين في معهد «أميركان إنتربرايز»، أن روسيا لن تتخلى عن جهودها للسيطرة على أوكرانيا، كما لن تتخلى إيران عن جهودها تجاه إسرائيل، موضحاً أن دوافع كل طرف متجذرة في آيديولوجيته.
ويشير تحليل نشرته «وول ستريت جورنال» إلى أن أهداف الكرملين تتجاوز الأراضي الشرقية، فبوتين يسعى لإعادة مكانة روسيا كقوة إمبراطورية تؤثر في جوارها والغرب، مستلهماً شخصيات تاريخية مثل بطرس الأكبر وستالين وكاترين العظيمة.
وقد سعى منذ البداية إلى إعادة تعريف أوكرانيا باعتبارها جزءاً من الأمة الروسية، ما يجعل كل انتصار ميداني خطوة رمزية في مشروع إعادة الهيمنة الروسية.

موسكو والورقة التفاوضية
تبذل إدارة الرئيس الأميركي جهوداً لإحياء مفاوضات سلام تركز على منطقة دونباس. إلا أن الرهان على إقناع بوتين بوقف الحرب مقابل تنازلات محدودة يبدو محدود الفاعلية، إذ يرى الباحث الروسي رسلان بوخوف أن بوتين يخوض حرباً تهدف إلى إعادة ترسيم النظام الدولي لا مجرد استعادة مدن بعينها.
ويعتقد الكرملين أن أي مكسب ميداني إضافي مثل السيطرة على بوكروفسك يقوّي موقف موسكو التفاوضي ويضعف حجج كييف، التي تصف الشروط الروسية بأنها «استسلام مقنّع».
وفق جون هاردي، كبير الباحثين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، فإن الهدف الأساسي لموسكو هو السيطرة على ما تبقى من منطقة دونباس، وأن سقوط بوكروفسك قد يسهل هذا التقدم ويزيد ثقة بوتين بقدرة روسيا على سحق الجيش الأوكراني، رغم شكوكه في إمكانية السيطرة على كامل منطقة دونيتسك خلال العام المقبل.
وتوضح الانتصارات الميدانية ليس فقط بالكيلومترات، بل بتآكل الإرادة الأوكرانية والالتزام الغربي.

مأزق كييف: الدفاع حتى الإنهاك
تواجه القيادة الأوكرانية مأزقاً استراتيجياً متكرراً: التمسك بالدفاع عن مدينة حتى آخر لحظة على حساب الأرواح والعتاد، كما حدث في باخموت وأفدييفكا.
يرى بعض القادة أن الانسحاب التكتيكي كان يمكن أن يقلل الخسائر، لكن القيادة السياسية تعتبر التمسك بالمدينة رسالة سياسية لتجنب منح موسكو انتصاراً رمزياً قد يؤثر على الدعم الغربي.
ومع ذلك، تعاني القوات الأوكرانية من نقص في الجنود والذخيرة، في حين تجنّد روسيا آلاف المقاتلين بعقود مغرية، ويتيح الضباب الكثيف تسلل القوات الروسية رغم فاعلية الطائرات المسيّرة الأوكرانية.

البعد السياسي والنفسي لسقوط بوكروفسك
يُدرك بوتين أن السيطرة على المدينة ستكون مكسباً سياسياً داخلياً يعزز سرديته عن نجاح خطة الحرب ويعيد الثقة للشارع الروسي.
أما سقوط بوكروفسك، فسيشكل ضربة معنوية قوية لكييف، خصوصاً إذا ترافق مع تقليص الدعم الغربي أو ضغوط أميركية لإجبار أوكرانيا على التفاوض.
وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن نهاية الحرب قريبة، فبوتين يرى أن أي تسوية يجب أن تعترف بروسيا كقوة مهيمنة، في حين يصر زيلينسكي على رفض التفاوض من موقع ضعف، محذراً من أن أي تنازل سيشجع موسكو على العودة للحرب مستقبلاً.
اقرأ ايضًا…الكرملين: أوكرانيا ستضطر للتفاوض من موقف أضعف





